فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 370

انفعل: ولا يكون متعدّيا أبدا، وإنما يجيء في كلام العرب للمطاوعة، وقد تقدّم تفسير المطاوعة، والمطاوعة فيها تكون بوجهين. إمّا بأن تريد من الشيء أمرا ما، فتبلغه بأن يفعل ما تريده، إن كان ممّا يصحّ منه الفعل، وإمّا بأن يصير إلى مثل حال الفاعل الذي يصحّ منه الفعل، وإن كان لا يصحّ الفعل منه، فأمّا ما يطاوع، بأن يفعل فعلا تريده منه، فنحو قولك «أطلقته فانطلق» و «صرفته فانصرف» ؛ ألا ترى أنه هو الذي فعل الانطلاق والانصراف بنفسه، عند إرادتك إياهما منه، أو بعثك إيّاه عليهما، وأمّا ما تبلغ منه مرادك، بأن يصير إلى مثل حال الفاعل الذي يصحّ منه الفعل، فنحو قولك «قطعت الحبل فانقطع» و «كسرت الحبّ فانكسر» ؛ ألا ترى أنّ الحبل والحبّ لا يصحّ منهما الفعل؛ لأنه لا قدرة لهما، فإنما أردت ذلك منهما، فبلغته بما أحدثته أنت فيهما، لا أنهما توليّا الفعل؛ لأنّ الفعل لا يصحّ من مثلهما، ومن قلك قوله: لا خطوتي تتعاطى غير موضعها ولا يدي في حميت السّمن تندخل، هو مطاوع «أدخلته» ، وهو من باب «انقطع الحبل» ؛ لأنّ اليد لا تكون فاعلة، إنما هي آلة يفعل بها.

واعلم أنّ «انفعل» إنما أصله من الثلاثيّ، ثم تلحقه الزّيادتان من أوّله، نحو «قطعته فانقطع» و «سرحته فانسرح» ، ولا يكاد يكون «فعل» منه إلّا متعدّيا حتى تمكن المطاوعة والانفعال؛ ألا ترى أنّ «قطعته» و «كسرته» متعدّيان، قال أبو عليّ: وقد جاء «فعل» منه غير متعدّ، قال الشاعر:

وكم منزل، لولاي: طحت كما هوى ... بأجرامه من قلّة النّيق منهوي (1)

وإنما هو مطاوع «هوى» إذا سقط، وهو غير متعدّ، كما ترى.

وجاء في هذه القصيدة «منغوي» . قال أبو عليّ: إنما بنى من «غوى» و «هوى» منفعلا، بضرورة الشعر.

ويجوز عندي أن يكون «منغو» و «منهو» مطاوعين لـ «أغويته» و «أهويته» ، فيكون مثل «أدخلته فاندخل» و «أطلقته فانطلق» . ولا يكونان، على هذا، شاذّين.

افتعل: تكون متعدّية، وغير متعدّية. فالمتعدّية نحو «اكتسب» و «اقتلع» . وغير المتعدّية نحو «افتقر» و «استقى» . ولها ستّة معان:

أحدهما: المطاوعة، فتكون إذ ذاك بمعنى «انفعل» وذلك قليل فيها، نحو «شويته

(1) البيت من البحر الطويل، ليزيد بن الحكم، في كتاب سيبويه 2/ 374، والعقد الفريد 2/ 295، والأمالي في لغة العرب 1/ 68، والأغاني 12/ 344، والخصائص لابن جني 2/ 259.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت