فهرس الكتاب
لم أعملت هذه الأحرف النصب والرفع؟
لقد أجهد النحاة أنفسهم لتعليل عمل هذه الأحرف النصب في المبتدإ والرفع في الخبر، وليس لهم إلا علة واحدة، وهى أن هذه الأحرف أشبهت الفعل التامّ المتعدى المتصرف، ولما كان هذا الفعل يرفع فاعلا وينصب مفعولا به؛ نصبت هذه الأحرف ورفعت، لكنهم قدموا منصوبها ـ وهو المبتدأ ـ على المرفوع بها ـ وهو الخبر ـ للتفرقة بين ما يعمل بالأصل وهو الفعل، وما يعمل بحقّ الشبه، وهو هذه الأحرف، فهى فرع، والأفعال أصل.
وقد أشبهت الفعل من عدة أوجه:
أحدها: أن معانيها معانى الأفعال، فمعنى (إن وأن) : أؤكد أو أحقق، ومعنى (كأن) : أشبه، ومعنى (لكن) : أستدرك، ومعنى (لعل) أرجو، ومعنى (ليت) أتمنى، فمعانيها من التوكيد والتشبيه والاستدراك والترجى والتمنى، كما أن (ضرب) من الضرب، و (تفهم) من التفهم، و (استخرج) من الاستخراج.
والثانى: أنها مبنية على الفتح، كما أن الفعل الماضى مبنىّ على الفتح.
والثالث: أنها تلزم الأسماء، كما أن الفعل يلزمها، وهى تطلب اسمين، كما أن الفعل كذلك.
والرابع: أن ضمائر النصب تتصل بها اتصالها بالأفعال، نحو: إنى، وأنك، ولكنه، كما تقول: أفهمنى، وأعلمتك، وزرته، وأكدته، واستدركته.
والخامس: أن نون الوقاية تتصل بها اتصالها بالأفعال، فتقول: ليتنى، ولعلنى، كما تقول: تمنانى، ورجانى، وأسمعنى.
لهذا نصبت هذه الأحرف ورفعت كالفعل.
الأحرف الناسخة (1)
ذكرنا أن النحاة سمّوها بالناسخة نظرا لأثرها الإعرابى. وأن لكلّ حرف معنى يؤديه في العلاقة بين الخبر والمبتدإ الذى يصبح اسمها، ونذكر ذلك بالتفصيل مع كلّ حرف نذكره في هذا القسم.
(1) ينظر: شرح عيون الإعراب 111 / أسرار العربية 148.