فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 573

يتنقلون من رجل إلى رجل، ويضعون أمام كل واحد منهم قطعا قليلة من اللحم، ومن خلفهم الشحاذون، الذى يقومون بدورهم، بتلقى هذه القطع من أولئك الحجاج الذين وضعت أمامهم. وعقب نداء الإمام الموجود أعلى بئر زمزم قائلا: «الله أكبر» ، يسارع الجميع إلى الشرب من جرار ماء زمزم، على أن يشرب كل واحد من جرته الخاصة به، ويأكل شيئا مما أمامه قبل أداء صلاة المغرب، وبعد صلاة المغرب يعود الجميع إلى بيوتهم لتناول العشاء، ثم يعودون بعد ذلك إلى المسجد لأداء صلاة العشاء. في ذلك الوقت تكون الساحة، هى والأبهاء المعمدة قد أضيئت بآلاف المصابيح، يضاف إلى ذلك أن كل حاج يأتى ومعه فانوسه الخاص ليضعه أمامه. روعة هذا المنظر، والنسيم العليل الذى يعم صحن المسجد أو ساحته، يغرى جموعا كبيرة بالبقاء في المسجد طوال الليل. هذه الساحة هى الساحة الوحيدة الواسعة والمكشوفة في المدينة كلها، وهى تسمح للنسيم العليل بالاندفاع قادما من بواباتها، هذا النسيم العليل يعزوه المكيون إلى حفيف أجنحة الملائكة الذين يحرسون المسجد الحرام. شاهدت حماس حاج من دارفور، وصل إلى مكة في الليلة الأخيرة من رمضان بعد أن قطع ذلك الرجل رحلة طويلة عبر صحار جرداء قاحلة، هذا الحاج عندما دخل إلى المسجد المضاء، اندهش كثيرا لمنظر المسجد، وانبهر أيضا بالكعبة السوداء، إلى حد أنه خر ساجدا بالقرب من المكان الذى كنت أجلس فيه، وبقى على هذه الحال فترة طويلة، ثم نهض الرجل بعد ذلك، وانهمرت دموعه، وفى ذروة انفعاله، وبدلا من أن يدعو بالدعاء المعتاد راح يقول متوسلا: «يا رب، اقبض روحى، لأن هذا جنة!»

انتهاء موسم الحج يضفى على المسجد الحرام مظهرا مختلفا تماما. الأمراض والوفيات التى تنتج عن هذه الرحلة المضنية، أو الناتجة عن ملابس الإحرام الخفيفة، وكذلك السكن غير الصحى في مكة، وكذلك الطعام السيئ، والفقر والحاجة في بعض الأحيان، كل ذلك يؤدى إلى امتلاء المسجد الحرام بجثث الموتى، التى تحمل إلى داخل الحرم للصلاة عليها، أو المرضى الذين إذا ما اشتد مرضهم ودنا أجلهم يجرى إحضارهم إلى الأبهاء المعمدة، على أمل أن يشفوا بسبب النظر إلى الكعبة، أو الرضا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت