الصفحة 1284 من 1395

أسف أن هذه الكتابات ـ شأنها في ذلك شأن كتابات الكاهن المؤرخ المصري مانيتو من نفس الفترة ـ والتي تقدم وجهة النظر القومية حينئذ عن تاريخ العراق القديم لم تصل إلينا كاملة، وكل ما وصلنا منها مقتطفات حفظها لنا المؤرخون المتأخرون من الأغارقة، ومن حسن الحظ أن هذه المقتطفات كانت تحتوي على قصة الطوفان البابلية التي تجري أحداثها على النحو التالي:

في عهد الملك «أكسيسوثروس» ، وفي ليلة ما، رأى هذا الملك فيما يرى النائم أن الإله «كرونوس» يحذره من طوفان سوف يغمر الأرض ويهلك الحرث والنسل، في اليوم الخامس عشر من شهر «دايسيوس» ـ وهو الشهر الثامن من السنة المقدونية ـ ومن ثم فإن عليه أن يكتب تاريخ البشرية منذ بدايتها، وأن يدفن ما يكتبه في مدينة سيبار، بلد الشمس، حتى لا يضيع في طوفان سوف يدمر كل شيء، كما أمره كذلك أن يبني فلكا يأوي إليه.

ويسأل «أكسيسوثروس» ربه عن المكان الذي يبحر إليه بفلكه هذا، فإذا به يجيبه «إلى الآلهة، ولكن بعد أن تصلي من أجل خير الناس» ، ويصدع الملك بأمر إلهه، ويبني فلكا طوله مائة وألف ياردة، وعرضه أربعمائة وأربعون ياردة، يجمع فيه كل أقربائه وأصحابه، ويختزن فيه زادا من اللحم والشراب، فضلا عن الكائنات الحية من الطيور وذوات الأربع.

ويغرق الطوفان الأرض، وعند ما ينحسر عنها يطلق الملك سراح بعض الطيور التي تعود إليه ثانية، ثم يطلقها بعد أيام، فإذا بها تعود وأرجلها ملوثة بالطين، وحين يكرر الأمر مرة ثالثة لا تعود الطيور إلى الفلك، ويعلم الملك أن الماء قد انحسر عن الأرض، وينظر من كوة في السفين فيرى الشاطئ الذي يتجه إليه، وهناك تستقر الفلك عند جبل، حيث ينزل الملك وزوجته وابنته وقائد الدفة.

ويسجد الملك لربه ويقدم له القرابين، ثم يختفي هو ومن معه، ويبحث الذين ما يزالون في الفلك عن الملك ورفاقه، ولكنهم لا يجدون لهم أثرا، وحين يجدّون في البحث عن المختفين يسمعون صوتا يدوي في الهواء، ويطلب منهم أن يتقوا الآلهة ويكفوا عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت