الصفحة 1291 من 1395

بطاهرة ومن الطيور وكل ما يدب على الأرض، دخل اثنان اثنان إلى نوح إلى الفلك ذكرا وأنثى، كما أمر الله نوحا» (1) ، فهل أمر الله نوحا أن يأخذ «سبعة سبعة» أم «اثنين اثنين» ؟ أم أن نوحا ـ وحاشا نبي الله أن يكون كذلك ـ قد عصى أمر ربه؟ أم أن هذا كان خطأ من الكاتب؟ وإذا كان ذلك كذلك، ففي أي النصين كان الخطأ، أفي نص الأمر، أم في نص التنفيذ؟ علما بأن نص التنفيذ قد تكرر مرة ثانية في التكوين «ودخلت إلى نوح إلى الفلك اثنين اثنين من كل جسد فيه روح حياة» (2) ، كما أن الواضح من نص التكوين هذا أنه يضغط على أن ما أمر به الرب «اثنين اثنين» ، ولكنه في التكوين (7: 2) يختلف عن ذلك كثيرا.

ولعل السبب في هذا التناقض ـ فيما يرى جيمس فريزر (3) ـ أن الحكاية اليهوية عن الطوفان تميز بين الحيوانات الطاهرة والحيوانات النجسة، فبينما أخذ نوح معه في الفلك سبعة من كل صنف من صنوف الحيوان الطاهر، لم يأخذ معه سوى زوج من كل صنف من صنوف الحيوان النجس، أما الكاتب الكهنوتي فلم يميز بين صنوف الحيوان على هذا النحو، بل جعلها تدخل الفلك وهي على قدم المساواة مع بعضها البعض، وإن قصر عددها بدون تحيز على زوج من كل صنف، والسبب في هذا الاختلاف البين، هو أن الكاتب الكهنوتي لم يفرق بين ما هو طاهر من الحيوان وما هو نجس، على أساس أن هذه التفرقة قد أوحى بها الرب لموسى لأول مرة، ومن ثم فإن نوحا لم يكن يعرفها، أما الكاتب الكهنوتي فقد رأى أن التفرقة بين صنوف الحيوان على أساس الطهارة والنجاسة كانت معروفة لدى الجنس البشري منذ العصور الأولى.

ومرة أخرى تناقض التوراة نفسها في سبب الطوفان، ففي الرواية اليهوية يعزو «يهوه» القضاء على البشرية، إذ تحدرت إلى شر وغواية (4) ، أما في الرواية الكهنوتية، فإن الله (إلوهيم) ـ لاحظ مرة أخرى الاختلاف بين «يهوه» هناك، وبين «إلوهيم»

(1) تكوين 7: 8 ـ 9.

(2) تكوين 7: 15 ـ 16.

(3) جيمس فريزر: المرجع السابق. ص 112.

(4) تكوين 6: 5 ـ 7. كذلك: حسين ذو الفقار صبري. توراة اليهود، المجلة، العدد 157 يناير 1970 ص 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت