الصفحة 156 من 1395

والسلام ـ أنه يؤمر بذبح ولده هذا، ولما كانت أنبياء الله تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فإن «رؤيا الأنبياء وحي» (1) ، ولهذا صمم الخليل على تنفيذ أمر ربه، ولم يثنه عن عزمه هذا، أن إسماعيل وحيده، وأنه قد رزق به وهو شيخ كبير، على رأس ست وثمانين سنة من عمره، وبعد أن ظل يرجوه أعواما وأعواما، رغم ذلك كله، فإن خليل الله قد عقد العزم على إنجاز ما أمر به، بإيمان المؤمنين، واستسلام المسلمين لله وحده، مما يدل على منتهى الطاعة والامتثال لأمر الله، وهذا هو الإسلام بعينه، إذ أن الإسلام هو الطاعة والامتثال لله، وهو دين الأولين والآخرين (2) ، ولهذا فقد وصف الله سبحانه وتعالى هذا الأمر بقوله تعالى: «إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ» (3) ، على أن الخليل إنما رأى أن يعرض ذلك على ولده ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قسرا ويذبحه قهرا (4) .

ولنقرأ هذه الآيات الكريمة: «وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ، رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ، فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى، قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ، كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا

(1) تفسير ابن كثير 4/ 9، البداية والنهاية 1/ 157، قارن: تفسير البيضاوي 2/ 297 روح المعاني 23/ 128

(2) انظر: تفسير الطبري 2/ 510 ـ 511، 3/ 74 (طبعة دار المعارف)

(3) سورة الصافات: آية 106

(4) انظر: تفسير القرطبي 15/ 101 ـ 104، تفسير البيضاوي 2/ 297، تفسير الطبري 15/ 78 ـ 79

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت