فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 1078

ثم إن قصّة الخليل التي فيها: (قالُوا سَلامًا) [هود: 69] ليست في السورة التي فيها (سِيءَ بِهِمْ) [العنكبوت: 33] ، بل في سورة هود، وليس فيها «لمّا» ثم كيف يتخيّل أن التحية تقع بعد المجيء ببطء؟ وإنما يحسن اعتقاد تأخّر الجواب في سورة العنكبوت إذ الجواب فيها: (قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ) [العنكبوت: 31] ، ثم إن التعبير بالإساءة لحن، لأن الفعل ثلاثي كما نطق به التنزيل، والصواب المساءة، وهي عبارة الزمخشريّ.

مجموع هذه الأمور المرتبة في هذه الآية من حيث هو مجموع، ليس شديد الاتصال لمجيء الرسل حتى يعد المجموع كأنه واقع في جزء واحد من الزمان، دخلت أن في آية العنكبوت؛ لأنه لم يرتب فيها على مجيء الرسل غير مساءة لوط وضيق ذرعه، وهما شديدا الاتصال بذلك المجيء، فأتى بها إشعارا بهذا المعنى كما قال الزمخشري فتأمله، والذرع مصدر مأخوذ من الذراع، ولما كان الذراع موضع شدة الإنسان قيل في الأمر: الذي لا طاقة للإنسان به ضاق بهذا الأمر: ذراع فلان، وذرعه أيضا أي: حيلته بذراعه وتوسعوا في هذا حتى قلبوه فقالوا: فلان رحب الذراع إذا وصفوه باتساع القدرة، ومنه قول القائل:

يا سيدا ما أنت من سيد ... موطأ الأكناف رحب الذراع (1)

(ثم إن قصة الخليل التي فيها قالوا: سلاما ليست في السورة التي فيها سيئ بهم) وهي سورة العنكبوت (بل هي في سورة هود، وليس فيها لما) ونص التلاوة فيها أعني: في سورة هود (وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) [هود: 69] فإن قلت: قصة الخليل التي فيها قالوا سلاما وقعت في سورة هود كما تلوناه، وفيها (وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ) [هود: 77] فإن لم يصدق قول: المصنف ليست في السورة التي فيها سيئ بهم، قلت: المراد بسيئ بهم ما وقع جوابا للما المزيد بعدها أن، وهي التي تلاها أبو حيان وهذه في سورة العنكبوت فقط، وهذه السورة لم يقع فيها قصة الخليل التي فيها قالوا سلاما، وإنما وقعت في سورة هود فكلام المصنف مستقيم.

(ثم كيف يتخيل أن التحية تقع بعد المجيء ببطء؟! وإنما يحسن اعتقاد تأخر الجواب) عن المجيء (في سورة العنكبوت إذ الجواب فيها(قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ) [العنكبوت: 31] ) لا قولهم قالوا سلاما كما في سورة هود (ثم التعبير) أي: تعبير أبي حيان (بالإساءة لحن؛ لأن الفعل ثلاثي كما نطق به التنزيل) في قوله: سيئ بهم (والصواب المساءة وهي عبارة الزمخشري)

(1) البيت من البحر السريع، وهو للسفاح بن بكير في خزانة الأدب 6/ 95، والدرر 3/ 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت