فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 793

والسبي وحلّ بهم تطريقه، حتى عرف بالموضع الذي وقع به ذلك للآن بشعبة النواح، لكثرة نوح الناس بالبكاء على أنفسهم وأهلهم وما بهم من الفراح. وكان الولي أبا عمامة الغربي تلميذ أبي دية قبل الواقعة يقول وهو في خلوته: مزينكم يا حواض السماء لو كان فيكم الماء لأن كل من فرّ لأحواض السماء وهو الجبل المطل على طلقة العلوج وسيق نجا، وكل من / ذهب لغيره حلّ به ما يرتجا (ص 248) (كذا) ، وصارت جنوده المفسدة الذميمة الوافرة العدد الجسيمة، ما تمرّ بموضع إلا تركته وحشا، مهانا ووجهه وخشا، وكان قدومه لوهران في الصيف في أبّان الحصاد، فسارت إليه وأطاعته جميع العباد لا عربي ولا مخزني، ولا شريف القدر ولا دني، خشية منه على زرعهم ومالهم وضرعهم، لكون الجنود مضنة الفساد، والضلال والنكاد، لا سيما عادة الجنود السلطانية المتوّجة بالتّيجان الشيطانية، فلم ينفع ذلك من دخل في طاعته، ولا من أتاه للخلاص ببضاعته، بل سلّط من شدة ظلمه أتباعه، على من انتسب للمخزن فأكثر إيقاعه، فأخذوا ماله ونهبوه وسبوا أولاده، وتركوا حيارى زوجه وأفراده، فحرقوا ونهبوا وقتلوا وأسروا وسبوا، وصار المستغيث بهم كالمستغيث في الرمضاء بالنار، أو السفيه في القفار. فكانوا أهلا بقول الشاعر، الحاذق الماهر:

فالمستغيث بالسفيه عند كربته ... كالمستغيث في الرمضاء بالنار

ولم ينج من وقائعهم الرذيلة إلّا من نجاه الله منهم أو لجأ إلى بعض المواضيع الممتنعة عنهم. قال: ثم ارتحل ونزل ضواحي وهران بقربها في المشتهر، وصبحها بجنوده كأنها الجراد المنتشر، طامعا في دخولها وأخذ ذخائرها، وتزوج نساء أكابرها، كطمع جنوده بذلك لضعف أهلها في زعمه عن دفع ذلك، مستحلّين ذلك لضعف مذاهب الأعراب ذات الفعل القبيح الخائضة مع كل ريح، وما ذلك إلا لضعف عقولهم وقساوة قلوبهم، وشدة جهلهم وكثرة لعوبهم وزلّة أقدامهم ورؤوسهم، واتباعهم هواهم وما سوّلته لهم أنفسهم في قيامهم وجلوسهم، وشدة حسن ظنهم بأميرهم، ولا فرق بين كبيرهم وصغيرهم جازمين أن كلمته لا تردّ، وأن دعاءه مستجاب في كل واحد، فاستعدّ / للقائه (ص 249) أهل البلد، وتهيّوا (كذا) لقتاله بكل مرصد وخرجوا لمبارزته ومكافحته ومنابزته، ومحاربته وقتاله، ومناطحته ونزاله، فقاتلوا شديدا مددا وهم مع ذلك أقل منه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت