الصفحة 2849 من 3455

حادثة الطاعون ما وقع سنة 1255 ه‍، فإن دجلة طغى ماؤها، حتى تساوى من بغداد أرضها وسماؤها، وغيرت جدران بيوتها بين ساجد وراكع، وخاضع وخاشع، ومبطون أضرّت به علّة الاستسقاء، ومحموم استلقى على ظهره يتفكر في ملكوت السماء، وباك قد استغرق بالبكاء ليله ونهاره، وتفجرت منه العيون فتلا وإن من الحجارة، والملائكة تتيمّم في سماها بغبار البيوت وتنادي يا أهل الأرض عزاء فبيوت العنكبوت كثير على من يموت، والألباب أمست لفرط البلبال حيارى، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، وكم من مخدرة أراقت ماء المحيا، وسخت بما يعزّ عليها لنجاة نفسها ولم تك وحياتك بغيّا، وبالجملة لقد فار التنّور، وأمست الأرجاء كالبحر المسجور، وعادت ـ لا أطيل ـ حادثة الطوفان، وكان والأمر لله تعالى ما كان .. وقد أشار الشاعر عبد الباقي العمري إلى بعض ذلك ببيتين شطرهما الفاضل الأديب أمين العمري المعروف بـ (الكهية) قال:

(لا تعجبوا من نهر دجلة إذ جرى) ... وهو الفرات كمعظم الطوفان ...

وطغى على الزوراء كل منهما ... (حتى انتهى لحضيرة الكيلاني) ...

(هو للحقيقة والطريقة بحرها) ... وبه نرى البحرين يلتقيان ...

آوى إليه الماء معتصما به ... (والبحر مأوى جملة الخلجان) (1)

والملحوظ أنه مرت بنا في (تاريخ العراق بين احتلالين) حوادث غرق كثيرة فلم تهدأ حوادثه، ولم تقل مضاره ومصائبه في غالب السنين.

(1) الطراز المذهب في شرح قصيدة مدح الباز الأشهب. الأصل لعبد الباقي والشرح للأستاذ أبي الثناء طبعت بمصر وعندي نسخة منها بخط الأستاذ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت