فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 396

استقلاله كبيرا بالنسبة للسلطة في المدينة. أما الآخرون فإن السلطة هي التي استحثتهم على التنقل والواقع أن منهم عشائر وقادة تورطوا في حروب الردة، منهم عامر بن ربعي، وعدي بن حاتم. وبما أن سيف بن عمر انفرد بذكرهم، يمكن القول انه سبق الأحداث، ويمكن التفكير كذلك أن عمر بتوجيهه هذه الفرق الصغيرة، أراد اختبار صلاح أهل الردة. إن روايات سيف جيدة بصورة عامة، فيما يخص القبائل وتركيب الجيش العربي، وترتيب وصول الجيش وعدد المقاتلين (1) ، في حين أنها تخطئ في خصوص ضبط التواريخ. فما قولنا في كل ذلك سوى أن عمر قرر على الأرجح منذ مطلع سنة 14 ه‍، وربما حتى منذ أواخر سنة 13، الشروع في مسيرة القبائل الطويلة، بهدف فتح العراق فتحا حقيقيا (2) ، دون أن يترقب نتائج العملية الدائرة في الشام؟ ومن هذه الوجهة تمثل هجرة بجيلة، ورحيل ضبة وخثعم وغيرهما، التي تمت عن طواعية، توطئة لما سيجدّ على صعيد أوسع بمشاركة سعد، كما تمثل البويب معركة تدريبية تعد العدة لمعركة القادسية. كان ينبغي الانتصار لا محالة في البويب، بلوغا لهذا المطلب.

سمي هذا الصدام بيوم مهران أيضا (3) على اسم القائد الفارسي المهزوم والمقتول، عند موقع الكوفة العتيدة، فيما بين خطة السكون والفرات أو دار الرزق ـ وبني سليم (4) ، حيث كان البويب بمثابة المصب العتيق للفرات (5) . ودارت المعركة وراء الفرات، على مدى المجال الذي ستحتله مدينة الكوفة. المؤكد أن الرهان كان مهما. قد يتسبب انتصار للفرس بالبويب في دحر العرب، كما أن انتصارا للعرب قد يجبر الفرس فعلا على خوض المجابهة النهائية لإنقاذ العراق والامبراطورية كافة أو التخلي عنهما. لا شك أن الفرس شعروا عند انهزامهم بالبويب، بواقع الخطر العربي عند فوات الأوان، أما العرب، فقد استمدوا من نصرهم جسارة لا تقهر. بقي أن نتحدث الآن عن مشكل تأريخ الأحداث.

(1) معلوماته من الدقة والتماسك في هذا الموضوع بما يمنع التشكيك فيها بجملتها وقد استخدم الطبري كتاب الفتوح الكبير: راجع الفهرست، طبعة بيروت، ص 94. أما عن الفتوحات فيراجع هيل، Hill Termination of Hostilities ـ ـ ـ، الذي استعرض ستا وثلاثين رواية كان أوردها سيف. ولنضف بخصوص فتح العراق، أن الاسنادات المتواترة تعود إلى مجالد والشعبي ومحمد وطلحة.

(2) نتفق كل الاتفاق في هذا الأمر مع السيدة فيشيا فاغلييري: Mme. Veccia ـ Vaglieri, E. 1 / 2 Sub Verbo Kadisiyya ، ومن المفارقة أن سيفا أورد التاريخ نفسه: الطبري، التاريخ، ج 3، ص 478.

(3) كان مهران أحد رؤساء العشائر السبع، راجع: Christensen, L'Iran sous les Sassanides. Copenhague,. 6391, p. 99

(4) الطبري، التاريخ، ج 3، ص 468.

(5) «كان مغيضا للفرات في عصر الأكاسرة يصب في الجوف» ، حسب عبارة البلاذري، فتوح البلدان، ص 254؛ وفي معجم البلدان، لياقوت، ج 1، ص 512، تفاصيل أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت