الصفحة 1224 من 1671

فيسقي بستانا، وفي القصر من الأطيار، ما يغني صوته عن العود والمزمار، فاستحسن المأمون ما رأى، وعزم على الصّبوح (1) ، فدعا بالطعام فأكلنا وشربنا، ثم قال لي: غنّ بأطيب صوت وأطربه، فلم يمرّ على خاطري غير هذا الصوت: [بحر المنسرح]

لو كان حولي بنو أمية لم ... ينطق رجال أراهم نطقوا

فنظر إليّ مغضبا، وقال: عليك لعنة الله وعلى بني أمية! فعلمت أني قد أخطأت، فجعلت أعتذر من هفوتي، وقلت: يا أمير المؤمنين، أتلومني أن أذكر مواليّ بني أمية، وهذا زرياب مولاك عندهم بالأندلس، يركب في أكثر من مائة مملوك وفي ملكه ثلاثمائة ألف دينار دون الضياع، وإني عندكم أموت جوعا، وفي الحكاية طول واختلاف، ومحلّ الحاجة منها ما يتعلّق بزرياب، رحم الله تعالى الجميع!.

وذكرها الرقيق في كتاب «معاقرة الشراب» على غير هذا الوجه، ونصّه: وركب المأمون يوما من دمشق يريد جبل الثلج، فمرّ ببركة عظيمة من برك بني أمية، وعلى جانبها أربع سروات، وكان الماء يدخل سيحا (2) ، فاستحسن المأمون الموضع، ودعا بالطعام والشراب، وذكر بني أمية، فوضع منهم وتنقّصهم، فأخذ علويه العود واندفع يغني: [بحر الطويل]

أرى أسرتي في كلّ يوم وليلة ... يروح بهم داعي المنون ويغتدي (3) ...

أولئك قوم بعد عزّ وثروة ... تفانوا فإلّا أذرف العين أكمد (4)

فضرب المأمون بكأسه الأرض، وقال لعلويه: يا ابن الفاعلة، لم يكن لك وقت تذكر مواليك فيه إلّا هذا الوقت؟ فقال: مولاكم زرياب عند مواليّ بالأندلس يركب في مائة غلام، وأنا عندكم بهذه الحالة، فغضب عليه نحو شهر، ثم رضي عنه، انتهى.

ونحوه لابن الرقيق في كتابه «قطب السرور» وقال في آخر الحكاية: وأنا عندكم أموت من الجوع، ثم قال: وزرياب مولى المهدي، ووصل إلى بني أمية بالأندلس فعلت حاله، حتى كان كما قال علويه، انتهى.

ولمّا غنّى زرياب (5) بقوله: [بحر الطويل]

(1) الصبوح: ما يؤكل أو يشرب في الصباح.

(2) سيحا: أي جاريا على وجه الأرض.

(3) المنون: الموت.

(4) فإلّا: فإن لا. وأكمد: أحزن حزنا شديدا.

(5) في ه: «ولما غنى ابن زرياب» والشعر لذي الرمّة في ديوانه ص 352.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت