الصفحة 1228 من 1671

قرب من السلطان إلى حين وفاته، وبنى له دارا للحديث، وهي الكاملية ببين القصرين، فلم يزل يحدّث بها إلى أن مات.

وقد ذكرنا في ترجمة ابن دحية من هذا الكتاب شيئا من أحواله، وأنّ الناس فيه معتقد ومنتقد، وهكذا جرت العادة خصوصا في حقّ الغريب المنتسب للعلم: [بحر الوافر]

وعند الله تجتمع الخصوم

وممّن كان عليه لا له أبو المحاسن محمد بن نصر المعروف بابن عنين فإنه قال فيه (1) : [بحر السريع]

دحية لم يعقب فلم تعتزي ... إليه بالبهتان والإفك (2) ...

ما صحّ عند الناس شيء سوى ... أنك من كلب بلا شكّ

هكذا ذكره ابن النجار، وأطال في الوقيعة في أبي الخطاب بن دحية.

وقال الذهبي: قرأت بخطّ الضياء عندما ذكر ابن دحية أنه قال: لقيته بأصبهان، ولم أسمع منه شيئا، وأخبرني إبراهيم السنهوري بأصبهان أنه دخل المغرب، وأنّ مشايخه كتبوا له جرحه وتضعيفه، وقد رأيت أنا منه غير شيء ممّا يدلّ على ذلك، وبسببه بنى السلطان الملك الكامل دار الحديث بالقاهرة وجعله شيخها، وقد سمع منه الإمام أبو عمرو بن الصلاح الموطأ سنة نيّف وستمائة، وأخبره به عن جماعة منهم أبو عبد الله بن زرقون.

وقال ابن واصل: كان أبو الخطاب ـ مع فرط معرفته بالحديث، وحفظه الكثير منه ـ متّهما بالمجازفة في النقل، وبلغ ذلك الملك الكامل، فأمره أن يعلّق شيئا على كتاب الشّهاب»، فعلّق كتابا تكلّم فيه على أحاديثه وأسانيده، فلمّا وقف الملك الكامل على ذلك قال له بعد أيام: قد ضاع مني ذلك الكتاب، فعلّق لي مثله، ففعل، فجاء في الثاني مناقضة للأول، فعلم الملك الكامل صحة ما قيل عنه، ونزلت مرتبته عنده، وعزله عن دار الحديث أخيرا، وولّى أخاه أبا عمر وعثمان.

وقال ابن نقطة: كان أبو الخطاب موصوفا بالمعرفة والفضل، ولم أره، إلّا أنه كان يدّعي أشياء لا حقيقة لها؛ ذكر لي أبو القاسم بن عبد السلام ـ وكان ثقة ـ قال: نزل عندنا ابن دحية

(1) انظر ديوان ابن عنين ص 220.

(2) دحية: صحابي ينسب إليه أبو الخطاب. وتعتزي: تنسب. والبهتان: الكذب وما لا أصل له. والإفك، بالكسر: التقوّل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت