الصفحة 241 من 1671

منه درك الثار، وانتصاف لأهل الجنّة من أهل النار، فأمّا الأوطان فقد أسلتهم عنها جهة تنبت العزّ فيما تنبته، وتنفي من الضيم ما تلك تثبته، وما ذكر الساخط، على المحل الساقط، منازل عادت على مبانيها أطلالا، ومغانيها أمحالا، وللعبد حال يستقبل بها من النظر الكريم ـ أدامه الله تعالى! ـ ما أعين الآمال إليه صور (1) ، ورجاء الجميع عليه مقصور، انتهى.

والغاية في هذا الباب ما كتب به ـ رحمه الله! ـ من جملة كتاب لبعض ذوي الألباب، ونصّ محل الحاجة منه: نخصّ الجهة البعيدة الصّيت والاسم، الشهيرة العمل والعلم، درّة تاجنا، وضوء سراجنا، ونكتة احتجاجنا، أبقاها الله تعالى في أعيننا منارا، ولأندلسنا فخارا، على أنه وإن بقيت المفاخر، فقد أودى المفاخر، وإن أضاء الطالع، فقد درجت (2) المطالع، وغلب عليها عداة زووا عنها وجوهنا، وأروا فيها مكروهنا، حتى أني أتيت بشعر فيه استسقاء للديار، على عادة الأشعار، فقلت: [الكامل]

زدنا على النائين عن أوطانهم ... وإن اشتركنا في الصّبابة والجوى ...

إنّا وجدناهم قد استسقوا لها ... من بعد أن شطّت بهم عنها النّوى (3) ...

ويصدّنا عن ذاك في أوطاننا ... مع حبّها الشّرك الذي فيها ثوى (4) ...

حسناء طاعتها استقامت بعدنا ... لعدوّنا، أفيستقيم لها الهوى

قلت: ما رأيت ولا سمعت مثل هذه الأبيات في معناها، العالية في مبناها، فإنّ فيها الإشارة إلى استيلاء النصارى ـ دمّرهم الله! ـ على تلك الديار، وثبوت قدمهم فيها على طبق ما حصل لهم فيه اختيار، مع إدماج حبّه لها الذي لا يشكّ فيه ولا يرتاب، واشتمالها على المحاسن التي هي بغية الرائد ونجعة المنتاب، ولكل أجل كتاب، وإذا نفذ سهم المقدور فلا عتاب.

ومما يستولي على الخواطر، ويروي رياض الأفكار بسحب بلاغته المواطر، قوله ـ رحمه الله تعالى! ـ يخاطب أبا الحسن الرّعيني (5) سنة (634) : [الكامل]

يا صاحبي والدهر ـ لو لا كرّة ... منه على حفظ الذّمام ـ ذميم

(1) صور: جمع صوراء وهي وصف المؤنث من صور يصور ـ بزنة فرح يفرح. إذا مال، واعوجّ.

(2) في ب: دجت.

(3) شطت: بعدت. والنوى: البعد.

(4) ثوى بالمكان: أقام فيه.

(5) هو أبو الحسن علي محمد بن علي بن الفخار الرعيني المتوفى سنة 666 ه‍. (الذيل والتكملة 5: 323) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت