الصفحة 255 من 1671

والمضريّة، فأصفقت (1) اليمنية على أمره؛ لكون الأمر كان ليوسف بن عبد الرحمن الفهري وصاحبه الصّميل، ورجع بدر مولاه إليه بالخبر، فأجاز البحر سنة ثمان وثلاثين ومائة في خلافة أبي جعفر المنصور، ونزل بساحل المنكّب، وأتاه قوم من أهل إشبيلية فبايعوه. ثم انتقل إلى كورة ريّة فبايعه عاملها عيسى بن مساور، ثم إلى شذونة فبايعه عتاب بن علقمة اللخميّ. ثم إلى مورور فبايعه ابن الصباح، ونهد إلى قرطبة فاجتمعت إليه اليمنية. ونمي خبره إلى والي الأندلس يوسف بن عبد الرحمن الفهري، وكان غازيا بجلّيقية، فانفضّ عسكره، ورجع إلى قرطبة، وأشار عليه وزيره الصّميل بن حاتم بالتلطّف له، والمكر به، لكونه صغير السّنّ، حديث عهد بنعمة، فلم يتمّ ما أراده. وارتحل عبد الرحمن من المنكّب، فاحتلّ بمالقة فبايعه جندها، ثم برندة، ثم بشريش كذلك، ثم بإشبيلية، فتوافت إليه جنود الأمصار، وتسايلت المضرية إليه، حتى إذا لم يبق مع يوسف بن عبد الرحمن غير الفهريّة والقيسية لمكان الصّميل منه زحف حينئذ عبد الرحمن الداخل، وناجزهم الحرب بظاهر قرطبة، فانكشف يوسف، ولجأ إلى غرناطة فتحصّن بها، وأتبعه الأمير عبد الرحمن فنازله. ثم رغب إليه يوسف في الصلح، فعقد له على أن يسكن قرطبة، ثم أقفله معه، ثم نقض يوسف عهده، وخرج سنة إحدى وأربعين ومائة، ولحق بطليطلة، واجتمع إليه زهاء عشرين ألفا من البربر، وقدّم الأمير عبد الرحمن للقائه عبد الملك بن عمر المرواني، وكان وفد عليه من المشرق، وكان أبوه عمر بن مروان بن الحكم في كفالة أخيه عبد العزيز بن مروان بمصر، فلمّا دخلت المسوّدة أرض مصر خرج عبد الملك يؤمّ الأندلس في عشرة رجال من قومه مشهورين بالبأس والنجدة، حتى نزل على عبد الرحمن سنة أربعين، فعقد له على إشبيلية، ولابنه عمر بن عبد الملك على مورور. وسار يوسف إليهما، وخرجا إليه ولقياه، وتناجز الفريقان، فكانت الدائرة على يوسف، وأبعد المفرّ، واغتاله بعض أصحابه بناحية طليطلة، واحتزّ رأسه، وتقدّم به إلى الأمير عبد الرحمن، فاستقام أمره، واستقرّ بقرطبة، وثبت قدمه في الملك، وبنى المسجد الجامع والقصر بقرطبة، وأنفق فيه ثمانين ألف دينار، ومات قبل تمامه. وبنى مساجد، ووفد عليه جماعة من أهل بيته من المشرق، وكان يدعو للمنصور، ثم قطع دعوته، ومهّد الدولة بالأندلس، وأثّل بها الملك العظيم لبني مروان والسلطان العزيز، وجدّد ما طمس لهم بالمشرق من معالم الخلافة وآثارها، واستلحم الثّوّار عليه على كثرتهم في النّواحي، وقطع دعوة آل العباس من منابر الأندلس، وسدّ المذاهب منهم دونها، وهلك سنة ثنتين وسبعين ومائة، وكان يعرف بعبد الرحمن الداخل؛ لأنه أول داخل من ملوك بني مروان إلى الأندلس، وكان أبو

(1) أصفقت اليمانية: اجتمعت واتفقت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت