الصفحة 273 من 1671

وولي حافده عبد الرحمن الناصر ابن ابنه محمد قتيل أخيه المطرّف، وكانت ولايته من الغريب؛ لأنه كان شابّا، وأعمامه وأعمام أبيه حاضرون، فتصدّى إليها واحتازها دونهم، ووجد الأندلس مضطربة بالمخالفين، مضطرمة بنيران المتغلّبين، فأطفأ تلك النيران، واستنزل أهل العصيان، واستقامت له الأندلس في سائر جهاتها بعد نيّف وعشرين سنة من أيامه، ودامت أيامه نحو خمسين سنة استفحل فيها ملك بني أميّة بتلك الناحية، وهو أول من تسمّى منهم بالأندلس بأمير المؤمنين، عندما التاث أمر (1) الخلافة بالمشرق، واستبدّ موالي الترك على بني العباس، وبلغه أن المقتدر قتله مؤنس المظفر مولاه سنة سبع عشرة وثلاثمائة فتلقّب بألقاب الخلافة، وكان كثير الجهاد بنفسه والغزو إلى دار الحرب، إلى أن هزم عام الخندق سنة ثلاث وعشرين، ومحّص الله فيها المسلمين، فقعد عن الغزو بنفسه وصار يردّد الصّوائف (2) في كل سنة، فأوطأ عساكر المسلمين، من بلاد الإفرنج ما لم يطؤوه قبل في أيام سلفه، ومدّت إليه أمم النصرانية من وراء الدروب يد الإذعان، وأوفدوا عليه رسلهم وهداياهم من رومة والقسطنطينية في سبيل المهادنة والسلم والاعتمال (3) فيما يعنّ في مرضاته، ووصل إلى سدّته الملوك من أهل جزيرة الأندلس المتاخمين لبلاد المسلمين بجهات قشتالة وينبلونة وما ينسب إليها من الثغور الجوفية، فقبّلوا يده، والتمسوا رضاه، واحتقبوا جوائزه، وامتطوا مراكبه، ثم سما إلى ملك العدوة فتناول سبتة ونقل الفرضة من أيدي أهلها سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وأطاعه بنو إدريس أمراء العدوة وملوك زناتة والبربر، وأجاز إليه الكثير منهم كما يعلم من أخباره، وبدأ أمره أول ولايته بتخفيف المغارم عن الرعايا، انتهى كلام ابن خلدون.

وفيه يقول ابن عبد ربه صاحب «العقد» يوم تولّى الملك: [المجتث]

بدا الهلال جديدا ... والملك غضّ جديد ...

يا نعمة الله زيدي ... إن كان فيك مزيد ...

إن كان للصّوم فطر ... فأنت للدهر عيد

وأراد بأول الأبيات أنه ولي مستهلّ ربيع الأول كما علم.

(1) التاث أمر الخلافة: اختلط واضطرب وضعف.

(2) الصوائف: جمع صائفة، وهي الحملة العسكرية في الصيف.

(3) الاعتمال: هو العمل بجهد كامل في سبيل مرضاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت