الصفحة 279 من 1671

بعثها مع الغلام، وقال: يا بني، كن مع جملة ما بعثت به، ولو لا الضرورة ما سمحت بك نفسي، وكتب معه هذين البيتين: [الطويل]

أمولاي هذا البدر سار لأفقكم ... وللأفق أولى بالبدور من الأرض ...

أرضيكم بالنّفس وهي نفيسة ... ولم أر قبلي من بمهجته يرضي

فحسن ذلك عند الناصر، وأتحفه بمال جزيل، وتمكّنت عنده مكانته، ثم إنه بعد ذلك أهديت إليه جارية من أجمل نساء الدنيا، فخاف أن ينتهي ذلك إلى الناصر فيطلبها فتكون كقصة الغلام، فاحتفل في هدية أعظم من الأولى، وبعثها معها، وكتب له: [الطويل]

أمولاي، هذي الشمس والبدر أوّلا ... تقدّم كيما يلتقي القمران ...

قران لعمري بالسعادة قد أتى ... فدم منهما في كوثر وجنان ...

فما لهما والله في الحسن ثالث ... وما لك في ملك البريّة ثاني

فتضاعفت مكانته عنده.

ثم إن أحد الوشاة رفع للملك أنه بقي في نفسه من الغلام حرارة، وأنه لا يزال يذكره حين تحرّكه الشّمول (1) ، ويقرع السّنّ (2) على تعذّر الوصول، فقال للواشي: لا تحرّك به لسانك، وإلّا طار رأسك، وأعمل الناصر حيلة في أن كتب على لسان الغلام رقعة منها: «يا مولاي، تعلم أنك كنت لي على انفرادي (3) ، ولم أزل معك في نعيم، وإنّي وإن كنت عند الخليفة مشارك في المنزلة، محاذر ما يبدو من سطوة الملك، فتحيّل في استدعائي منه» ، وبعثها مع غلام صغير السنّ، وأوصاه أن يقول: من عند فلان، وإنّ الملك لم يكلّمه قطّ، إن سأله عن ذلك، فلمّا وقف أبو عامر على تلك الرسالة واستخبر الخادم علم من سؤاله ما كان في نفسه من الغلام، وما تكلّم به في مجالس المدام، فكتب على ظهر الرقعة ولم يزد حرفا:

[الطويل]

أمن بعد إحكام التجارب ينبغي (4) ... لديّ سقوط الطّير في غابة الأسد ... 4 ...

وما أنا ممّن يغلب الحبّ قلبه ... ولا جاهل ما يدّعيه أولو الحسد ...

فإن كنت روحي قد وهبتك طائعا ... وكيف يردّ الرّوح إن فارق الجسد؟

فلما وقف الناصر على الجواب تعجّب من فطنته، ولم يعد إلى استماع واش به.

(1) الشمول: من أسماء الخمر.

(2) يقرع السن: كناية عن الندم.

(3) في ب: انفراد.

(4) في ب: يبتغى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت