الصفحة 281 من 1671

لقدومهم في يوم مشهود، وقال ابن خلدون: ركبت في ذلك اليوم العساكر بالسلاح في أكمل شكّة (1) ، وزيّن القصر الخلافيّ بأنواع الزينة وأصناف الستور، وحمّل السرير الخلافيّ بمقاعد الأبناء والإخوة والأعمام والقرابة، ورتّب الوزراء والخدمة في مواقفهم، ودخل الرّسل فهالهم ما رأوه، وقرّبوا حتى أدّوا رسالتهم. وأمر يومئذ الأعلام أن يخطبوا في ذلك المحفل، ويعظّموا من أمر الإسلام والخلافة، ويشكروا نعمة الله على ظهور دينه وإعزازه، وذلّة عدوّه، فاستعدّوا لذلك. ثم بهرهم هول المجلس فوجموا، وشرعوا في القول فأرتج عليهم، وكان فيهم أبو علي القالي وافد العراق، كان في جملة الحكم وليّ العهد وندبه لذلك استئثارا، فعجز (2) ، فلمّا وجموا كلّهم قام منذر بن سعيد البلّوطي من غير استعداد ولا رويّة ولا تقدّم له أحد بشيء من ذلك، فخطب واستحضر (3) وجلّى في ذلك القصد، وأنشد شعرا طويلا ارتجله في ذلك الغرض، ففاز بفخر ذلك المجلس، وعجب الناس من شأنه أكثر من كل ما وقع، وأعجب به الناصر، وولّاه القضاء بعدها، وأصبح من رجالات المعالم، وأخباره مشهورة، وخطبته في ذلك اليوم منقولة في كتب ابن حيّان وغيره. ثم انصرف هؤلاء الرّسل، وبعث الناصر معهم هشام بن هذيل بهديّة حافلة ليؤكّد المودّة ويحسن الإجابة، ورجع بعد سنتين وقد أحكم من ذلك ما شاء وجاءت معه رسل قسطنطين. ثم جاء رسول من ملك الصقالبة ـ وهو يومئذ دوقوه ـ ورسول آخر من ملك الألمان، ورسول آخر من ملك الإفرنجة وراء البرت ـ وهو يومئذ أوفة ـ ورسول آخر من ملك الإفرنجة بقاصية المشرق ـ وهو يومئذ كلدة ـ واحتفل الناصر لقدومهم، وبعث مع رسول الصقالبة ربيعا الأسقفّ إلى ملكهم دوقوه ورجع بعد سنتين.

وفي سنة أربع وأربعين جاء رسول أردون يطلب السلم، فعقد له، ثم بعث في سنة خمس وأربعين يطلب إدخال فردلند قومس قشتيلة في عهده فأذن له في ذلك، وأدخل في عهده، وكان غرسيه بن شانجه قد استولى على جلّيقيّة بعد أبيه شانجه بن فرويله (4) ثم انتقض

(1) الشكة: السلاح الكامل، العدة الكاملة، ومنه: شاكي السلاح.

(2) في ب: استئثارا بفخره، فلما ...

(3) في ب: واسحنفر.

(4) في ب: فرذلند.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت