الصفحة 306 من 1671

هشام أوقع به عبد الملك سنة ستّ وثمانين، ونزل بفاس وملكها، وعقد لملوك زناتة على ممالك المغرب وأعماله من سجلماسة وغيرها، وشرّد زيري بن عطية إلى تاهرت (1) ، فأبعد المفرّ (2) ، وهلك في مفرّه ذلك. ثم قفل عبد الملك إلى قرطبة، واستعمل واضحا على المغرب. وهلك المنصور أعظم ما كان ملكا، وأشدّ استيلاء، سنة أربع وتسعين وثلاثمائة (3) ، بمدينة سالم منصرفه من بعض غزواته، ودفن هنالك، وذلك لسبع وعشرين سنة من ملكه، انتهى كلام ابن خلدون، وبعضه بالمعنى وزيادة يسيرة.

ولا بأس أن نزيد عليه فنقول: ممّا حكي أنه مكتوب على قبر المنصور رحمه الله تعالى (4) : [الكامل]

آثاره تنبيك عن أخباره ... حتّى كأنّك بالعيان تراه ...

تالله لا يأتي الزمان بمثله ... أبدا، ولا يحمي الثغور سواه

وعن شجاع مولى المستعين بن هود: لمّا توجّهت إلى أذفونش وجدته في مدينة سالم، وقد نصب على قبر المنصور بن أبي عامر سريره، وامرأته متّكئة إلى جانبه، فقال لي: يا شجاع، أما تراني قد ملكت بلاد المسلمين، وجلست على قبر ملكهم؟ قال: فحملتني الغيرة أن قلت له: لو تنفّس صاحب هذا القبر وأنت عليه ما سمع منك ما يكره سماعه، ولا استقرّ بك قرار، فهمّ بي، فحالت امرأته بيني وبينه، وقالت: صدقك فيما قال، أيفخر مثلك بمثل هذا؟.

وهذا تلخيص ترجمة المنصور من كلام ابن سعيد (5) : قال رحمه الله: ترجمة الملك الأعظم المنصور أبي عامر محمد بن عبد الله بن عامر بن أبي عامر بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك، المعافري، من قرية تركش (6) ، وعبد الملك جدّه هو الوافد على الأندلس مع طارق في أوّل الداخلين من العرب، وأمّا المنصور فقد ذكره ابن حيّان في كتابه المخصوص

(1) تاهرت: بفتح الهاء وسكون الراء، مدينة بأقصى المغرب، وهي كثيرة الأنداء والضباب والأمطار (معجم البلدان 2/ 7) .

(2) أبعد المفرّ: فرّ إلى مكان بعيد.

(3) في الحلة السيراء: توفي ليلة الاثنين لثلاث بقين من شهر رمضان من السنة المذكورة 392 ه‍. ودفن بمدينة سالم. (الحلة السيراء صفحة 286) .

(4) انظر الحلة السيراء صفحة 286.

(5) انظر المغرب 2/ 394.

(6) في المغرب: كرتش. وفي المعجب: طرش من أعمال الجزيرة الخضراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت