الصفحة 311 من 1671

مأسور، ولو حملته في حواصلها النّسور، وقد بلغني بعد بقاء المسلمة في تلك الكنيسة، وو الله لا أنتهي عن أرضه حتى أكتسحها، فأرسل إليه المرأة في اثنتين معها، وأقسم أنه ما أبصرهنّ ولا سمع بهنّ وأعلمه أن الكنيسة التي أشار بعلمها، قد بالغ في هدمها، تحقيقا لقوله، وتضرّع إليه في الأخذ فيه بطوله، فاستحيا منه، وصرف الجيش عنه، وأوصل المرأة إلى نفسه، وألحف توحّشها بأنسه، وغيّر من حالها، وعاد بسواكب نعماه على جدبها وإمحالها، وحملها إلى قومها، وكحلها بما كان شرد من نومها، انتهى.

وقال في المطمح أيضا في حقه ما نصه: فرد نابه على من تقدّمه، وصوّبه واستحزمه، فإنه كان أمضاهم سنانا، وأذكاهم جنانا، وأتمّهم جلالا، وأعظمهم استقلالا، فآل أمره إلى ما آل، وأوهم العقول بذلك المآل، فإنه كان آية الله في اتفاق سعده، وقربه من الملك بعد بعده، بهر برفعة القدر، واستظهر بالأناة وسعة الصّدر، وتحرّك فلاح نجم الهدوّ، وتملّك فما خفق بأرضه لواء عدوّ، بعد خمول كابد منه غصصا وشرقا، وتعذّر مأمول طارد فيه سهرا وأرقا، حتى أنجز له الموعود، وفرّ نحسه أمام تلك السعود، فقام بتدبير الخلافة، وأقعد من كان له فيها إنافة، وساس الأمور أحسن سياسة، وداس الخطوب بأخشن دياسة، فانتظمت له الممالك، واتّضحت به المسالك، وانتشر الأمن في كل طريق، واستشعر اليمن كلّ فريق، وملك الأندلس بضعا وعشرين حجّة، لم تدحض (1) لسعادتها حجّة، ولم تزخر لمكروه بها لجّة، لبست فيه البهاء والإشراق، وتنفّست عن مثل أنفاس العراق، وكانت أيامه أحمد أيام، وسهام بأسه أسدّ سهام، غزا الروم شاتيا وصائفا، ومضى فيما يروم زاجرا وعائفا، فما مرّ له غير سنيح (2) ، ولا فاز إلّا بالمعلّى لا بالمنيح (3) ، فأوغل في تلك الشّعاب، وتغلغل حتى راع ليث الغاب، ومشى تحت ألويته صيد (4) القبائل، واستجرّت في ظلّها بيض الظّبا وسمر الذوابل، وهو يقتضي الأرواح بغير سوم، وينتضي الصفاح على كل روم، ويتلف من لا ينساق للخلافة وينقاد، ويخطف منهم كلّ كوكب وقّاد، حتى استبدّ وانفرد، وأنس إليه من الطاعة ما نفر وشرد، وانتظمت له الأندلس بالغدوة، واجتمعت في ملكه اجتماع قريش بدار النّدوة، ومع هذا لم يخلع اسم الحجابة، ولم يدع السمع لخليفته والإجابة، ظاهر يخالفه الباطن، واسم تنافره مواقع الحكم والمواطن، وأذلّ قبائل الأندلس بإجازة البرابر، وأخمل بهم أولئك الأعلام

(1) لم تدحض: لم تبطل.

(2) السنيح: الطائر يمر من يسار الناظر إلى يمينه وكانت العرب تتيامن به.

(3) المعلّى: سابع سهام القما ـ، وهو أعظم القداح نصيبا والمنيح سهم من سهام القمار لا يصيب.

(4) الصّيد: جمع أصيد، وهو الذي يميل بعنقه كبرياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت