الصفحة 344 من 1671

وبقي ملك الأندلس في عقبه إلى أن أخذ ما بقي من الأندلس العدوّ الكافر واستولى على حضرة الملك غرناطة أعادها الله للإسلام، كما نبيّن ذلك إن شاء الله، وخلت جزيرة الأندلس من أهل الإسلام، فأبدلت من النور بالظلام، حسبما اقتضته الأقدار النافذة والأحكام، والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

قال ابن خلدون: واتفق بنو الأحمر سلاطين غرناطة أن يجعلوا مشيخة الغزاة لواحد يكون من أقارب بني مرين سلاطين المغرب؛ لأنهم أوّل من ولي الأندلس عند استيلاء بني عمّهم على ملك المغرب لما بينهم من المنافسة، وكان لهؤلاء في الجهاد مواقف مشهورة، منها ما كتب على قبر شيخ الغزاة عثمان بن أبي العلاء لتستدلّ عند ذلك على ما ذكرناه «بحمد الله تعالى، هذا قبر شيخ الحماة وصدر الأبطال والكماة، واحد الجلالة، ليث الإقدام والبسالة، علم الأعلام، حامي ذمار الإسلام، صاحب الكتائب المنصورة، والأفعال المشهورة، والمغازي المسطورة، وإمام الصفوف، القائم بباب «الجنّة تحت ظلال السيوف» ، سيف الجهاد، وقاصم الأعاد، وأسد الآساد، العالي الهمم، الثابت القدم، الهمام المجاهد الأرضى، البطل الباسل الأمضى، المقدّس، المرحوم أبي سعيد عثمان ابن الشيخ الجليل الهمام الكبير، الأصيل الشهير، المقدّس المرحوم أبي العلاء إدريس بن عبد الله بن عبد الحق، كان عمره ثمانيا وثمانين سنة أنفقه ما بين روحة في سبيل الله وغدوة، حتى استوفى في المشهور سبعمائة واثنتين وثلاثين غزوة، وقطع عمره جاهدا مجتهدا في طاعة الربّ، محتسبا في إدارة الحرب، ماضي العزائم في جهاد الكفّار، مصادما بين جموعهم تدفّق التّيّار، وصنع الله تعالى له فيهم من الصنائع الكبار، ما سار ذكره في الأقطار، أشهر من المثل السّيّار، حتى توفي رحمه الله وغبار الجهاد طيّ أثوابه، وهو مراقب لطاغية الكفّار وأحزابه، فمات على ما عاش عليه، وفي ملحمة الجهاد قبضه الله تعالى إليه، واستأثر به سعيدا مرتضى، وسيفه على رأس ملك الروم منتضى، مقدّمة قبول وإسعاد، ونتيجة جهاد وجلاد، ودليلا على نيّته الصالحة، وتجارته الرابحة، فارتجّت الأندلس لبعده، أتحفه الله تعالى رحمة من عنده! توفي يوم الأحد الثاني لذي الحجة من عام ثلاثين وسبعمائة» انتهى.

ومنها ما كتب به لسان الدين بن الخطيب ـ رحمه الله! ـ في تولية علي بن بدر الدين مشيخة الغزاة ما نصّه: «هذا شيخ الغزاة الذي فتح على الإسلام أبواب السّرّاء، وراق طرازا مذهّبا على عاتق الدولة الغرّاء، وأعمل عوامل الجهاد، في طاعة ربّ العباد شارعة لأهل الكفر والعناد، من باب الإعمال والإغراء، أمر به فلان صدر صدور أودّائه، وحسامه المشهور على أعدائه، ووليّه الذي خبر صدق وفائه، وجلّى في مضمار الخلوص له مغبّرا في وجوه أكفائه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت