الصفحة 373 من 1671

راحت تذكّر بالنّسيم الرّاحا ... وطفاء تكسر للجنوح جناحا ...

أخفى مسالكها الظلام فأوقدت ... من برقها كي تهتدي مصباحا

وعبادة بن ماء السماء، وكان معروفا بالتشيّع، وفيه يقول من قصيدة: [الطويل]

أبوكم عليّ كان بالشّرق بدء ما ... ورثتم، وذا بالغرب أيضا سميّه ...

فصلّوا عليه أجمعون وسلّموا ... له الأمر إذ ولّاه فيكم وليّه

ومدحه ابن درّاج القسطلّيّ بقوله: [المتقارب]

لعلّك يا شمس عند الأصيل ... شجيت لشجو الغريب الذّليل ...

فكوني شفيعي لابن الشّفيع ... وكوني رسولي لابن الرّسول

وكان أخوه القاسم بن حمود أكبر منه بعشر سنين، وأمّهما واحدة، وهي علوية، ولما قتل الناصر كان القاسم واليا على إشبيلية، وكان يحيى بن عليّ واليا على سبتة، فاختلف هؤلاء البربر (1) ، فمال أكثرهم إلى القاسم لكونه غبن أوّلا، وقدّم عليه أخوه الأصغر، وكونه قريبا من قرطبة، وبينهم وبين يحيى البحر، فلما وصلت رسلهم إلى القاسم لم يظهر فرحا بالإمامة، وخاف أن تكون حيلة من أخيه عليه، فتقهقر إلى أن اتّضح له الحقّ، فركب إلى قرطبة، وبويع فيها بعد ستة أيام من قتل أخيه، وأحسن السيرة، وأحسّ من البربر الميل إلى يحيى ابن أخيه عليّ صاحب سبتة، فتهالك في اقتناء السودان، وابتاع منهم كثيرا، وقوّدهم على أعماله (2) ، فأنفت البرابر من ذلك، وانحرفوا عنه.

وفي سنة تسع وأربعمائة قام عليه بشرق الأندلس المرتضى عبد الرحمن بن أعقاب الناصر، لأن أهل الأندلس صعب عليهم ملك بني حمّود العلويين بسبب البرابر، فأرادوا رجوع الإمامة إلى بني مروان، واجتمع له أكثر ملوك الطوائف، وكان معه حين أقبل لقرطبة منذر التجيبيّ صاحب سرقسطة وخيران العامري الصّقلبي صاحب المرية، وانضاف إليهم جمع من الفرنج، وتأهب القاسم والبرابرة للقائهم، فكان من الاتفاق العجيب أن فسدت نية منذر وخيران على المرتضى، وقالا: أرانا في الأوّل وجها ليس بالوجه الذي نراه حين اجتمع إليه الجمّ الغفير (3) ، وهذا ماكر غير صافي النية، فكتب خيران إلى ابن زيري الصّنهاجي المتغلب على غرناطة ـ وهو داهية البربر ـ وضمن له أنه متى قطع الطريق على المرتضى عند اجتيازه عليه إلى

(1) في ب: فاختلفت أهواء البربر.

(2) قوّدهم على أعماله: جعلهم قادة.

(3) الجم الغفير: العدد الكبير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت