الصفحة 427 من 1671

والنهار، وأجرى فضل هذا الماء العذب إلى سقايات اتخذهن على أبواب هذا المسجد بجهاته الثلاث الشرقية والغربية والشمالية، أجراها هنالك إلى ثلاث جواب من حياض الرخام استقطعها بمقطع المنستير بسفح جبل قرطبة بالمال الكثير، وألقاه الرخّامون (1) هنالك، واحتفروا أجوافها بمناقيرهم في المدة الطويلة حتى استوت في صورها البديعة لأعين الناس، فخفف ذلك من ثقلها، وأمكن من إهباطها إلى أماكن نصبها بأكناف المسجد الجامع، وأمد الله تعالى على ذلك بمعونته، فتهيأ حمل الواحدة منها فوق عجلة كبيرة اتخذت من ضخام خشب البلوط على فلك موثقة بالحديد المثقف محفوفة بوثاق الحبال قرن لجرّها سبعون دابة من أشد الدواب، وسهلت قدامها الطرق والمسالك، وسهل الله تعالى حملها واحدة بعد أخرى على هذه الصفة في مدة اثني عشر يوما، فنصبت في الأقباء المعقودة لها، قال: وابتنى المستنصر في غربي الجامع دار الصدقة، واتخذها معهدا لتفريق صدقاته المتوالية، وابتنى للفقراء البيوت قبالة باب المسجد الكبير الغربي، انتهى.

واعلم أنه لعظم أمر قرطبة كان عملها حجة بالمغرب، حتى إنهم يقولون في الأحكام:

هذا مما جرى به عمل قرطبة، وفي هذه المسألة نزاع كثير، ولا بأس أن نذكر ما لا بد منه من ذلك، قال الإمام ابن عرفة رحمه الله تعالى: في اشتراط الإمام على القاضي الحكم بمذهب معين ـ وإن خالف معتقد المشترط اجتهادا وتقليدا ـ ثلاثة أقوال: الصحة للباجي، ولعمل أهل قرطبة، ولظاهر شرط سحنون على مذهب من ولاه الحكم بمذهب أهل المدينة، قال المازري: مع احتمال كون الرجل مجتهدا. الثاني: البطلان، للطرطوشي، إذ قال: في شرط أهل قرطبة هذا جهل عظيم. الثالث: تصح التولية ويبطل الشرط، تخريجا على أحد الأقوال في الشرط الفاسد في البيع للمازري عن بعض الناس، انتهى مختصرا.

قال ابن غازي: إن ابن عرفة نسب للطرطوشي البطلان مطلقا، وابن شاس إنما نسب له التفصيل، انتهى.

ولما ذكر مولاي الجد الإمام قاضي القضاة بفاس (2) سيدي أبو عبد الله المقري التلمساني في كتابه القواعد شرط أهل قرطبة المذكور، قال بعده ما نصه: وعلى هذا الشرط ترتب إيجاب عمل القضاة بالأندلس، ثم انتقل إلى المغرب، فبينما نحن ننازع الناس في عمل المدينة ونصيح

(1) في ج: الرخاميون.

(2) هو الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد المقري التلمساني وهو جد المؤلف لهذا الكتاب (انظر تاريخ قضاة الأندلس ص 169) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت