الصفحة 790 من 1671

فنيت الأموال بالفتنة، فلا يجد القائم بالأمر ما يصلح به الدولة إذا تفرغ للتدبير والسياسة، ففرح السلطان، وبادر إلى تلك الدار، فرأى ما ملأ عينه، وسر قلبه، وخرج الرئيس ابن الحسين والخيل تجنب أمامه، وبدر الأموال بين يديه، وأعاده إلى أحسن أحواله، وجعله وزيرا لديه، كما كان أبوه مفوضا أموره إليه، وقال السلطان: إن من أوجب شكر الله علي أن أفتتح المال بأن أؤدي منه للرعية الذين نهبت دورهم واحترقت في الفتنة التي كانت بيني وبين أقاربي ما خسروه، وأمر بالنداء فيهم، وأحضرهم وكل من حلف على شيء قبضه وانصرف.

وكان السلطان المستنصر المذكور في بعض متصيداته (1) فكتب لأبي عبد الله الرئيس المذكور يأمره بإحضار الأجناد لأخذ أرزاقهم بقوله: [بحر الوافر]

ليحضر كلّ ليث ذي منال ... زكا فرعا لإسداء النّوال ...

غدا يوم الخميس فما شغلنا ... بأسد الوحش عن أسد الرجال

وحكي أن السلطان المذكور عرض مرة أجناده، وقيل: بل سلم عليه الموحدون يوم عيد بتونس، وفيهم شاب [مليح] وسيم اسم جده النعمان، فسأله السلطان عن اسمه، وأعجبه حسنه، فخجل واحمر وجهه، وازداد حسنا، فقال السلطان هذا المصراع: [بحر الكامل]

كلّمته فكلمت (2) صفحة خدّه

وسأل من الحاضرين الإجازة، فلم يأتوا بشيء، فقال السلطان مجيزا شطره:

فتفتحت فيها شقائق (3) جده

وهذا من البديع (4) مع ما فيه من التورية والتجنيس.

ومما نسبه له أبو حيان بسنده إليه: [بحر الكامل]

ما لي عليك سوى الدّموع معين ... إن كنت تغدر في الهوى وتخون ...

من منجدي (5) غير الدموع وإنها ... لمغيثة مهما استغاث حزين ...

الله يعلم أن ما حملتني ... صعب ولكن في رضاك يهون

(1) المتصيدات: رحلات الصيد.

(2) كلمت: جرحت.

(3) الشقائق: زهر أحمر يسمى أيضا: شقائق النعمان.

(4) في ب، ه: «وهذا من البدائع» .

(5) منجدي: معيني ومساعدي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت