الصفحة 795 من 1671

رأيت جميع الكسب يفقده الفتى ... وتبقى له أخلاقه والتأدّب ...

إذا حل في أرض أقام لنفسه ... بآدابه قدرا به يتكسّب ...

وأومأ كلّ نحوه، ولعله ... إلى غير أهل للنباهة ينسب

وقال في أثناء الكلام لبعض المغاربة: [الطويل]

فأثبتّ في كل المواطن همّة ... إلى طلب العلم الذي كان مطّرح (1) ...

وصيّرت من قد كان بالنظم جاهلا ... يحاوله كيما تجود لك المدح

وقال أيضا في الخطبة: وبعد، فهذا كتاب راحة قد تعبت في جمعه الأسماع والأبصار والأفكار، وكل عناء سهل إذا أنجح القصد، وقد بدأ فيه من سنة ثلاثين وخمسمائة، ومنتهاه إلى غرة سنة إحدى وأربعين وستمائة، وأول من كان السبب في ابتداء هذا الكتاب جدّ والدي عبد الملك بن سعيد، وهو إذ ذاك صاحب قلعة بني سعيد تحت طاعة علي بن يوسف بن تاشفين أمير المسلمين ملك البربر، إلى أن استبدّ بها سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وقصده في سنة ثلاثين وخمسمائة حافظ الأندلس أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن الحجاري (2) وصنف له كتاب «المسهب، في غرائب المغرب» في نحو ستة أسفار، وابتدأ فيه من فتح الأندلس إلى التاريخ الذي ابتدأه فيه، وهو سنة ثلاثين وخمسمائة، ثم ثار في خاطر عبد الملك أن يضيف إليه ما أغفله الحجاري، وتولع بمطالعته ابناه أبو جعفر ومحمد، وأضافا له ما استفاداه، ولم يزل يزيد إلى أن استبدّ به محمد، فاعتنى به أشد اعتناء، ثم استبد به والدي ـ وكان أعلمهم بهذا الشأن ـ وبلغ من اجتهاده في هذا الكتاب أنني أذكره يوما وقد نوّه به ابن هود وهو ملك الأندلس وولّاه الجزيرة الخضراء، فأعلمه شخص أن عند أحد المنسوبين إلى بيت نباهة كراريس من شعر شعرائها، وأخبار رؤسائها، الذين تحتوي عليهم دولة بني عبد المؤمن، فأرسل إليه راغبا في استعارتها، فأبى، وقال: علي يمين أن لا تخرج عن منزلي، وقال: إن كانت له حاجة يأتي على رأسه، وكان جاهلا، فلما سمع والدي ضحك فقال لي: سر معي إليه، فقلت له: ومن يكون هذا حتى نمشي له على هذه الصورة؟ فقال: إني لا أمشي له، ولكن أمشي للفضلاء الذين تضمنت الكراريس أشعارهم وأخبارهم، أتراهم لو كانوا أحياء مجتمعين في موضع أنفت أن أمشي إليهم؟ قلت: لا، قال: فإن الأثر ينوب عن العين، فمشينا

(1) اطّرحه: رماه ناحية.

(2) هو أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الكندي الحجاري الأندلسي المالكي المتوفي سنة 584 ه‍. له: حديقة في علم البديع، والمسهب في أخبار أهل المغرب (كشف الظنون ج 5 ص 457) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت