الصفحة 799 من 1671

شاهدت من عجائبه أنه عاش سبعا وستين سنة ولم أره يوما تخلى عن (1) مطالعة كتاب أو كتب ما يخلده، حتى إن أيام الأعياد لا يخليها من ذلك، ولقد دخلت عليه في يوم عيد وهو في جهد عظيم من الكتب، فقلت له: يا سيدي، أفي هذا اليوم لا تستريح؟ فنظر إلي كالمغضب وقال: أظنك لا تفلح أبدا، أترى الراحة في غير هذا؟ والله لا أحسب راحة تبلغ مبلغها، ولوددت أن الله تعالى يضاعف عمري حتى أتم كتاب «المغرب» على غرضي، قال: فأثار ذلك في خاطري أن صرت مثله لا ألتذّ بنعيم غير ما ألتذ به من هذا الشأن، ولو لا ذلك ما بلغ هذا التأليف إلى ما تراه، وكان أولع الناس بالتجول في البلدان، ومشاهدة الفضلاء، واستفادة ما يرى وما يسمع، وفي تولّعه بالتقييد والمطالعة للكتب يقول: [بحر البسيط]

يا مفنيا عمره في الكأس والوتر ... وراعيا في الدّجى للأنجم الزهر ...

يبكى حبيبا جفاه أو ينادم من ... يهفو لديه كغصن باسم الزهر ...

منعّما بين لذات يمحقها ... ولا يخلد من فحر ولا سير ...

وعاذلا لي فيما ظلت أكتبه ... يبدي التعجب من صبري ومن فكري ...

يقول مالك قد أفنيت عمرك في ... حبر وطرس عن الأغصان والحبر ...

وظلت تسهر طول الليل في تعب ... ولا تني (2) أمد الأيام في ضجر ...

أقصر فإني أدري بالذي طمحت ... لأفقه همتي واسأل عن الأثر ...

واسمع لقول الذي تتلى محاسنه ... من بعد ما صار مثل الترب كالسور ...

جمال ذي الأرض كانوا في الحياة، وهم ... بعد الممات جمال الكتب والسير (3)

وولد أبو عمران موسى بن محمد في الخامس من رجب عام ثلاثة وسبعين وخمسمائة، وتوفي بثغر الإسكندرية يوم الاثنين الثامن من شوّال عام أربعين وستمائة.

وولد أبوه محمد بن عبد الملك صاحب أعمال غرناطة وأعمال إشبيلية عام أربعة عشر وخمسمائة، وتوفي بشعبان عام تسعة وثمانين وخمسمائة بغرناطة.

وكان محمد بن عبد الملك وزيرا جليلا، بعيد الصيت، عالي الذكر، رفيع الهمة، كثير الأموال، وذكره ابن صاحب الصّلات (4) في كتابه «تاريخ الموحّدين» ونبه على مكانته منهم في

(1) في ب: «يخلي مطالعة كتاب. وفي ه: «يتخلى من» .

(2) لا تني: لا تفتر.

(3) في ب: «انتهى» .

(4) في ب: «الصلاة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت