الصفحة 804 من 1671

بالمراكب وأصناف الأرزاق التي تصل من جميع أقطار النيل، ولئن قلت إني لم أبصر على نهر ما أبصرته على ذلك الساحل فإني أقول حقا، والنيل هنالك ضيق، لكون الجزيرة التي بنى فيها سلطان الديار المصرية الآن قلعته (1) قد توسطت الماء ومالت إلى جهة الفسطاط، وبحسن سورها المبيض الشامخ حسن منظر الفرجة في ذلك الساحل، وقد ذكر ابن حوقل الجسر الذي يكون ممتدا من الفسطاط إلى الجزيرة، وهو غير طويل، ومن الجانب الآخر إلى البر الغربي المعروف ببر الجيزة (2) جسر آخر من الجزيرة إليه، وأكثر جواز الناس بأنفسهم ودوابهم في المراكب، لأن هذين الجسرين قد احترما لحصولهما في حيز قلعة السلطان، ولا يجوز أحد على الجسر الذي بين الفسطاط والجزيرة راكبا احتراما لموضع السلطان، وبتنا في ليلة ذلك اليوم بطيارة مرتفعة على جانب النيل، فقلت: [بحر الطويل]

نزلنا من الفسطاط أحسن منزل ... بحيث امتداد النيل قد دار كالعقد ...

وقد جمعت فيه المراكب سحرة (3) ... كسرب قطا أضحى يرفّ على ورد (4) ...

وأصبح يطفو الموج فيه ويرتمي ... ويطرب أحيانا ويلعب بالنرد ...

حلا ماؤه كالرّيق ممن أحبّه ... فمدت عليه حلة من حلى الخد ...

وقد كان مثل النهر من قبل مده ... فأصبح لما زاده المد كالورد

وقلت هذه لأني لم أذق في المياه أحلى من مائه، وإنه يكون قبل المد الذي يزيد به ويفيض على أقطاره أبيض، فإذا كان عباب النيل صار أحمر، وأنشدني علم الدين فخر الترك أيدمر عتيق وزير الجزيرة في مدح الفسطاط. (5) [بحر الرمل]

حبّذا الفسطاط من والدة ... جنّبت أولادها درّ الجفا (6) ...

يرد النيل إليها كدرا ... فإذا مازج أهليها صفا ...

لطفوا فالمزن لا تألفهم ... خجلا لما رأتهم ألطفا

ولم أر في أهل البلاد ألطف من أهل الفسطاط، حتى إنهم ألطف من أهل القاهرة، وبينهما نحو ميلين، والحال أن أهل الفسطاط في نهاية من اللطافة واللين في الكلام، وتحت ذلك من الملق وقلة المبالاة ورعاية (7) قدر الصحبة وكثرة الممازحة (8) والألفة ما يطول ذكره.

(1) في ج: قلعة.

(2) في ه: «ببر الجزيرة» .

(3) سحرة: آخر الليل قبيل الفجر.

(4) الورد: الماء الذي يورد للشرب.

(5) هو علم الدين أيدمر المحيوي التركي. له ديوان شعر (انظر فوات الوفيات ج 1 ص 140) .

(6) في ب، ه: «جنبت أولادها دار الجفا» .

(7) في ب، ه: «برعاية قدر الصحبة» .

(8) في ب: «الممازجة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت