فهرس الكتاب
إنّ القضايا التي ناقشها أبو البقاء في هذا الكتاب التعليمي، الذي أملاه على طلبة الحديث، بعضها عويص، وبعضها بسيط، وبعضها يحتل منزلة بين المنزلتين، فمسائله تعلو تارة، وتهبط أخرى، وهذا يعكس لنا مستوى طلبة العلم آنذاك.
وحيث أنّ كتاب إعراب الحديث أمالٍ أملّها الشيخ الضرير على طلبة العلم، فقد كان أحد تلاميذه يقرأ في جامع المسانيد، لابن الجوزي، مسندا مسندا؛ حتى إذا مرّ حديث، أو عبارة في حديث، أو كلمة تحتاج إلى شرح وبيان، أو إلى بيان محلها من الإعراب، تكلّم عليها الشيخ، وناقشها، والطلبة يُسجلون ما يقول، لذا فإنْ الكتاب لم يُقسّم على أبواب نحوية، كما هو الشائع في كتب النحو، كما لم يُقسم على بحوث، يتضمن البحث منها عددا من المسائل، كما فعل ابن مالك في شواهد التوضيح، ولكنّ الكتاب مقسم على أبواب ألفبائية، بحسب الحرف الأول من أسماء أصحاب المسانيد.
ومما يتميز به هذا الكتاب الإيجاز، والتيسير، والدقة في التعبير، والاهتمام بضبط الكلمات، والإشارة إلى المسائل الخلافية، والاهتمام بالروايات، فيعمد أحيانا إلى تصحيحها، وينص أحيانا على سهو الراوي، وقد تختلط الروايات في ذهنه؛ نظرا لاعتماده على الذاكرة، ويتميز هذا الكتاب أيضا في أنّ صاحبه يمزج النحو باللغة والتصريف، والاحتجاج أحيانا بلغات القبائل والقراءات.
كتاب أبي البقاء بين كتب إعراب الحديث:
أوّل مَن ألَّف في إعراب الحديث هو أبو البقاء العكبري، ثم تبعه ابن مالك، وختم هذا الفن بالسيوطي، ولا نعلم أحدا صنف في إعراب الحديث غير هؤلاء، وقد ذكر ذلك السيوطي في مقدمة كتابه، فقال:
(أكثر العلماء قديما وحديثا في التصنيف في إعراب القرآن، ولم يتعرّضوا للتصنيف في إعراب الحديث سوى إمامين: أحدهما الإمام أبو البقاء العكبري، فإنه لمّا ألَّف إعراب القرآن المشهور، أردفه بتأليف لطيف في إعراب الحديث، أورد فيه أحاديث كثيرة من مُسند أحمد، وأَعْرَبَها، إلاّ أنه لاختصاره ونزرة ما أورده فيه من النزر القليل، لا يروي الغليل، ولا يشفي العليل. والثاني الإمام جمال الدين بن مالك، فإنه ألف في ذلك تأليفا خاصا بصحيح البخاري، يُسمى: التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح. وقد استخرت الله تعالى في تأليف كتاب في إعراب الحديث، مستوعب جامع، وغيث على كتب المسانيد والجوامع جامع، شامل للفوائد البدائع شاف، كافل بالنقول والنصوص كاف، أنظم فيه كل فريدة، وأسفر فيه النقاب عن كل