فهرس الكتاب
استضعف أبو البقاء أنْ تكون (مَن) في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا} [1] بمعنى الذي (اسم موصول) ، لأنّ (الذي) يتناول قوما بأعيانهم، والمعنى هنا على الإبهام، والتقدير: ومن الناس مَن يقول [2] .
والصحيح أنّ الآية نزلت في أُناس بأعيانهم، وهم: عبد الله بن أبي سلول وأصحابه [3] ، فيكون جعلها موصولة هو الأرجح من حيث المعنى، لأنّ المعنى لا يكون على الإبهام، ولو عرف أبو البقاء سبب نزول هذه الآية، لما وصف كون (مَن) بمعنى الذي بأنه ضعيف.
ـ التكلُّف في الإعراب، وغموض المعنى:
جوّز أبو البقاء في قوله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} [4] أنْ يكون الخبر (للذين) ويتعلق (على الله) بمحذوف، ويكون حالا من محذوف أيضا، والتقدير: إنما التوبة إذا كانت، أو إذ كانت على الله، فإذا، وإذ ظرفان، العامل فيهما (للذين) ، لأنّ الظرف يعمل فيه المعنى، وإنْ تقدم عليه، وكان تامة، وصاحب الحال ضمير الفاعل، ولا يجوز أنْ يكون (على الله) حالا، يعمل فيها (للذين) ، لأنه عامل معنوي، والحال لا يتقدم على المعنوي [5] .
إنّ هذا الإعراب فيه من التكلف ما يؤدي إلى غموض المعنى، وقد وضع الإعراب ليساعد على فهم المعنى، أمَّا مثل هذا الإعراب، فلا يتضح المعنى به، ووجه التكلف في هذا الإعراب كثرة ما فيه من تقدير، ومن المعروف أنه لا يُلجأ إلى التقدير، إلاّ لنكتة بلاغية، وإذا أمكن تجنب التأويل، فذلك أولى، وقد جانب أبو البقاء الصواب في هذا الإعراب، في الأمور التالية:
ـ حينما قدّر جملة ظرفية (إذا كانت) ، وهذه الجملة ليس لها لزوم.
ـ حينما راح يبحث عن عامل في الظرف (إذا كانت) ، وهذا منتهى التكلف.
ـ حينما زعم أنّ العامل فيها متأخر، هو ما بعد (للذين) ، ثم راح يجوِّز جواز عمل المعنى في الظرف.
والصحيح أنْ تُعرب هذه الآية على النحو التالي:
إنما: أداة حصر أو قصر.
(1) البقرة /8
(2) التبيان، ص 24
(3) الزمخشري، الكشاف 1/ 167، والنيسابوري، أسباب النزول، ص 12
(4) النساء / 17
(5) التبيان، ص 339