فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 446

وهو يبدأ كل مسألة ـ في الغالب ـ بالرأي الذي يؤيده، ويميل إليه، ثم يورد الأقوال الأخرى، ويسوق كل ذلك باختصار شديد، يسبق تفصيل القول في كل مسألة، ثم يأخذ في تفصيل الآراء، دون أنْ يستطرد فيما لا يُجدي نفعا، فيذكر الحجج لأصحابها، ويناقش كل رأي؛ مرجحا ومؤيّدا ومقويا، أو مضعفا.

ولمَّا كان من عادته أنْ يُصدِّر الرأي الذي يؤيده، فإنه يحتج بقوله: (لنا) ، أو (وحجة القول الأول) ، أو (والدليل على القول الأول) ، ويدلّ على صحة رأيه بالأدلة العقلية، والبراهين المنطقية؛ مستشهدا بالقرآن الكريم، والشعر، وأقوال العرب، وهو من خلال ذلك يورد الاعتراضات، التي يمكن أنْ تخطر ببال المُعترِض، ويُجيب عنها بطريقة جدلية حوارية، فيقول: فإنْ قيل ... فالجواب ... ، وفي بعض المواطن يُضمِّن احتجاجه للرأي الأول الرد على المخالفين، ثم يأخذ في تفصيل الرأي الآخر؛ قائلا: (واحتج الآخرون) ، أو (وحجة الكوفيين) ، ويورد ما احتجوا به من الآيات القرآنية، والأبيات الشعرية، والأقوال العربية، والحجج العقلية والمنطقية، فيجيب عنها بعد قوله: فالجواب، ويختم كل مسألة ـ في الغالب ـ بقوله: والله أعلم بالصواب.

بين (تبيين) أبي البقاء، و (إنصاف) ابن الأنباري:

ابن الأنباري والعكبري نحويان عاشا في بغداد، ودُفن جثمانهما فيها، وكلاهما مكثر في التصنيف، في كثير من الفنون، ولكن النحو غلب عليهما، وقد تشابهت مؤلفاتهما إلى حدٍّ كبير، ولكل منهما تصنيف في الخلاف النحوي، انحاز فيه إلى جانب المذهب البصري، وقد عمل كل منهما مُعيدا في مدرسة، فابن الأنباري كان معيدا في المدرسة النظامية، والعكبري كان معيدا في المدرسة الجوزية، فكان كل واحد منهما يرى نفسه ندا لصاحبه، وقد افترقا في المذهب الفقهي، فابن الأنباري شافعي، والعكبري حنبلي، كما افترقا في العلاقات الاجتماعية، وطريقة العيش، فابن الأنباري زاهد متقشف، خشن العيش والملبس؛ حتى أنه اعتزل الدنيا في آخر حياته، والعكبري يُصادق الوزراء والكبراء، وله تردد على الصدور والأعيان، وهذا يدفعه إلى التأنّق والتنعّم، وافترقا أيضا في كون ابن الأنباري من المجددين، والعكبري من المقلدين.

والسؤال الذي يطرح نفسه، هل اجتمع أحدهما بالآخر؟ وأيهما كان له أثر في صاحبه؟

مما لا شك فيه أنّ العصبية المذهبية، في عصر العكبري وابن الأنباري، كانت على أشدها، وهذا ما لمسناه من قول أبي البقاء العكبري، عندما طُلِب منه أنْ يتحوّل إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت