وهدفي من هذه الدراسة أنْ أُسجِّل تاريخ أبي البقاء العكبري علمًا من أعلام النحاة الأفذاذ، وأُجلِّي شخصية نحوية مجهولة الاتجاه والأثر، كان لها خطرها في الميدان اللغوي في غابر الزمن، فأصف بإيجاز عصره، وأُعدد آثاره، وأقف على منهجه فيها، وأزن جهوده في النحو، وأُحدد ميوله، وأعرض موقفه من مشاهير علماء المذاهب النحوية، وأرصد مسائله الخلافية، وأجمع كل ذلك في كتاب واحد؛ لأنّ القارئ العربي، والدارس لعلم النحو، إذا أراد أنْ يقف على هذا الرجل، وعلى تاريخه الفكري، ومكانته العلمية، فإنه سيعرِّج في سبيل ذلك على كثير من المصنفات، يلتقط خبرا قصيرا هنا، وحديثا موجزا هناك، بل إنّ عليه إذا أراد أنْ يقترب من أبي البقاء أكثر، أنْ يذهب إلى دور الكتب، ومعاهد المخطوطات؛ حتى يُحقق بعض ما يُريد، بعد تعب أكيد، وجهد جهيد؛ لأنه يقرأ في مخطوطات لم يُنفض عنها غبار الزمن، ولم تمسها يد التحقيق بالدراسة والفهرسة.
أمَّا مصادر هذه الدراسة، فقد حرصت أنْ أُلِمَّ بكل ما له صلة بأبي البقاء، ما استطعت إلى ذلك سبيلا، فكانت مصادري عنه كثيرة ومتنوعة، منها المخطوط، ومنها المطبوع، وهي على العموم تنحصر في المصادر التالية:
ـ طائفة من كتب التاريخ والتراجم والطبقات والسِّيَر:
وتنحصر أهمية هذا الضرب من المصادر على وصف عصر أبي البقاء، وحياته، ومنابع ثقافته، في حدود القيمة التاريخية لكل مصدر، وقد قدّمت كتب عصرييه وتلاميذه على غيرها، ثم كتب قريبي العهد ممن أخذوا عن رفاقه في الطلب خاصة، أمَّا كتب المترجمين المتأخرين فما هي إلاّ مقتفية آثار، وراوية أخبار، لذا فقد أنزلتها منزلة متأخرة؛ لأنّ أصحابها قد نسجوا على منوال المتقدمين، فجاءت أخبار أبي البقاء فيها تكرارا لِما قاله المتقدمون، وإنْ لم تخل من إضافات يسيرة.
وقد خصصت مصادر هذا القسم بدراسة نقدية، في مقدمة الباب الأول من هذا الكتاب.
ـ كتب أبي البقاء العكبري:
وهذه الكتب هي الأساس الذي اعتمدته في دراسة نحو أبي البقاء، وفي معرفة معالم شخصيته العلمية، وعلى الرغم من أنّ عوادي الزمن قد أتت على بعض مصنفاته، غير أنّ أشهر كتبه النحوية قد وصلت إلينا، وهي على منزلة رفيعة من المكانة العلمية، والقيمة الجلية، ولا يُمكن لأيّ باحث أنْ يتجاهلها.
وقد أوسعت في الباب الثاني من هذا الكتاب للحديث عن هذه المصادر.
ـ طائفة من كتب النحاة المتقدمين والمتأخرين: