فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 121

معصيته من العقاب، وقد تكلم اليوم وهذى ودرّس ما لوكتب في مائة ورقة ما كفاه، مما لا عذر له في شيء منه.

قال عبد العزيز: فقلت يا أمير المؤمنين! أطال الله بقاءك، مَن أبلغ قولا، وأحسن قصصا، وأظهر عذرا ممن تلا بعذره قرآنا، واحتج لنفسه، وفعل بما أباحه الله تعالى، وأطلقه، ولم يحرمه، ولم ينه عنه، ولم يذم فاعله، وجرت بذلك سنته في كتابه لأهل ولايته وعداوته.

فقال بشر: هذه خرافات قد عملها يظن أنّ أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه يسمعها، أو يقبلها، أو يلتفت إليها، هذا متاع القصاص الذي يصلح للعوام، وقد حفظته لتجمعهم به، وتغريهم بأهل العلم.

فقال عبد العزيز: إني لم أخاطب بشرا، ولم أعتذر إليه، وإنما اعتذرت إليك لما أوجبه الله تعالى من طاعتك، وأسكنه قلبي من هيبتك وإعظامك وإجلالك، وما وهبه الله تعالى لك من دقة الفهم، وكمال المعرفة، والتواضع للخلق والرقة والوجل عند تلاوة القرآن، وحسن الاستماع والقبول لما جاء في كتاب الله تعالى، وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألزمت نفسي ذنبا، وأنا غير مذنب، واعترفت بالخطأ، وأنا غير مُخطئ؛ خضوعا وتذللًا لطاعتك، واستكانة لأمرك، وبشر يعارضني برد كتاب الله، والتكذيب به، يزعم أنّ كتاب الله تعالى، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم خرافات عملتُها، وأنّ ما جرى منذ اليوم متاع القصّاص، الذي لا يصلح إلاّ للعوام، يقول قول الكفار، ولقد ذمّ الله تعالى مَن قال مثل قوله، ولعنه في كتابه، أو كذّب في غير موضع منه، فإنْ أذن لي أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه انتزعت مائة آية، أُبيّن فيها كذب بشر وكفره وافتراءه على الله تعالى، فقال المأمون: لهذا وقت غير هذا، وقد صفحت عما كان منك، وقبلت عذرك، ولقد أبلغت في الاعتذار، وأوضحت الحجة فيما كان لك مباحا قبل الأمر والنهي، والآن فقد نهيتك عن معاودة مثل ذلك، وحظرته عليك، فقلت: السمع ولطاعة، فمتى خالفت هذا الأمر، وارتكبت النهي، لزمني الذنب، ووجبت عليّ العقوبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت