فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 121

حكى عبد العزيز مما فيه، فقد أبطله، وما فيه مما حكاه شيء، وأنا أُحضره حتى يقف أمير المؤمنين على بطلان قول قاله عبد العزيز.

فلما علم المأمون أنه كما قلت، وأني ما تزيدت، وأنه كذب فيما قال، فأقبل عليه، فقال: أنت تضع مثل هذا الكتاب، وتقرؤه على الناس، وتمليه عليهم، وتجيئ وتذكر ما فعله غيرك مما تقدم فعلك فعله، فأي حجة أبلغ لخصمك عليك من أن يكون تأسّى بك، واقتدى بك، وفعل مثل فعلك، والحجة عليه بأثبت منها عليك، إلاّ أنه أعلم بما يأتي منك فما الحجة له بألزم منها لك، فقال بشر: يا أمير المؤمنين! أطال الله بقاءك، أنا أمدح أمير المؤمنين في كل كلمة، وأدعو له، وأنسبه إلى الخلافة التي لا شيء أجلّ منها، وعبد العزيز يلقب أمير المؤمنين في كل كلمة، ولا ينسبه إلى الخلافة، ولا يدعو له، وإنما جعل اللقب للخلفاء بعد الأسماء والنعوت والصفات؛ ليفرق بها بين بعضهم وبعض، إلاّ أنها لا تذكر من واحد منهم مفردة، فمن أفرد أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه باللقب، فإنما أراد نقصه وعيبه، وهذا هو الذي أباح دمه، وأوجب عقوبته، وكل شيء يقع فيه الاعتذار إلاّ هذا، فلا عذر فيه لقائل، ولا حجة لمحتج.

قال عبد العزيز: فقلت لبشر: / اسكت أخرس الله لسانك، وأعمى 39 ب بصرك، كما أعمى قلبك يا عدو الله تعالى، تستقبل أمير المؤمنين بهذه الألفاظ القبيحة الذميمة التي تشبهك، وتشبه أسلافك، التي لم يرضها الله لعباده المؤمنين، ونهاهم عنها في كتابه، وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: [وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] [1] ، فنهى الله المؤمنين عن الألقاب، والتنابز، فتزعم يا عدو الله تعالى أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خالف أمر ربه، ولم يقبل قوله، وارتكب نهيه؛ لأنه لقّب أبا بكر بالصديق، ولقّب عمر بالفاروق، ولقّب عثمان بذي النورين، وقد حلّ دمك يا عدو الله بدعواك هذه [2] على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أصحابه رضي الله عنهم، وعلى الخلفاء الراشدين إذ اختاروا

(1) الحجرات 11

(2) كتب: هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت