فهرس الكتاب
اللقب الذي كان يُغضبه، وكان بنو الأبناء ابن شماس [1] يُلقَّبون ببني أنف الناقة، فيغضبهم ذلك، ويبلغ منهم، فمدحهم الحطيئة الشاعر، فقال:
قَومٌ هُمُ الأَنفُ وَالأَذنابُ غَيرُهُمُ ... وَمَن يُسَوّي بِأَنفِ الناقَةِ الذَنَبا [2] ... فمدحهم، وصيّره اسمية لهم، وأزال عنهم اللقب الذي كان يُغضبهم، فصار مديحا لهم، حتى أنّ أهلهم يمتدحونهم [3] بذلك، وأزال عنهم اللقب، وهذا أكثر موجود في كلام العرب وخطابها وأشعارها، وإنما يجب أن يطالب بإقامة الدليل والشاهد على ما يقع فيه خلاف، فأمَّا ما لا خلاف فيه فما مطالبتي بإقاوة الدليل عليه، وأمير المؤمنين يعلم ويشهد لي بصحة قولي، إذ كان بيت اللغة.
فقال المأمون: قد أحسنت يا عبد العزيز في الاعتذار، وإقامة الحجة، وقد صفحت عما كان منك، وما قلتَ إلى ما تتعارفه العرب، وتتعامل به في خطابها، ولغاتها.
قال عبد العزيز: ثم أقبل المأمون على بشر، فقال له: الخطأ لك ألزم منه لعبد العزيز في كل حال، ولكني أرجع إلى قلة معرفتك باللغة، واختلاطك بالعوام، ومذهبك في كلامك، وكثرة خطبك وزللك، فأنت تُخطئ من حيث لا تدري، ومِن حيث ترى أنك تُصيب، وقد صفحت عنك أيضا، كما صفحت عن عبد العزيز، ثم أقبل المأمون عليّ فقال: يا عبد العزيز! تلافَ ما كان منك مما تستقبل، ولا تدعنَّ أحدا ممن كتب هذا الكتاب عنك إلاّ طالبته برده إليك، حتى لا يبقى عند أحد من نُسخته شيئا، يخرجها بعد اليوم، ولا يذكر شيئا مما كان، فإنه متى
(1) يقصد: أبناء ابن شماس.
كان بنو جعفر بن قُريع بن عَوْف بن كعب يقال لهم: بنوِ أنف الناقة، يُسَبُّون بهذا الاسم في الجاهلية، حتى إن الرجل منهم يسأل: ممن هو؟ فيقول: من بني قريع، فيتجاوز جعفرا أنف الناقة بن قريع بن عوف بن مالك ويلغي ذكره فرارًا من هذا اللقب، إلى أن نقل الحطيئةَ ـ واسمه جرول بن أوس ـ أحدُهم وهو بغيض بن عامر بن لؤي بن شماس بن جعفر أنف الناقة من ضيافة الزبرقان بن بدر إلى ضيافته وأحسن إليه فقال:
سِيري أمامَ فإنّ الأكثرين حصىً ... والأكرمين إذا ما ينسبون أبَا
قوم هُمُ الأنفُ والأذنابُ غيرهُمِ ... ومن يُسوّي بأنف النّاقة الذّنبا
فصاروا يتطاولون بهذا النسب ويمدون به أصواتهم في جهارة. وإنما سمي جعفر أنف الناقة لأن أباه قسم ناقة جزورًا ونسيه، فبعثته أمه ولم يبق إلا رأس الناقة، فقال له أبوه: شأنك بهذا، فأدخل أصابعه في أنف الناقة وأقبل يجره، فسمي بذلك. فعاد هذا الاسم فخرًا لهم وشرفاَ فيهم بعد أن كان سبة وعارا عليهم. العقد الفريد، ص 4072 ـ 4073/ الموسوعة الشعرية. العمدة في محاسن الشعر وأدبه، ص 50
(2) من البسيط للحطيئة، ديوانه / الموسوعة الشعرية.
(3) كتب: يمتدحوهم.