فهرس الكتاب
واحذر أنْ تتكلم بشيء تستوجب به عقوبتي، فقلت: السمع والطاعة لله ولأمير المؤمنين.
قال عبد العزيز: فانصرفت على تلك الحالة، فلما خرجت من بين يديه، أقبل عليّ بشر وغيره ممن كلمه في أمري، وأغراه بي قبل إحضاري، فقال لهم: هذا الرجل أوحد في دهره، والله لاعتذاره في حالة الخوف والجزع على غير أهبة، كانت أحسن من كلامه ومناظرته، ولقد اعتذر بما لو خرج علينا وفارقنا، وفارق عصا المسلمين، ثم اعتذر بمثله؛ لوجب الصفح عنه، وقبول عذره، فكيف ولا ذنب له، وإنما تزيدتم عليه، وأغريتموني به، وإنه لمن ذميم الأخلاق أنْ ينصرف من بين يدي، بعد حسن الاعتذار، على مثل هذه الحالة، ولكني فعلت به ما فعلت؛ ليسكن عنكم ما شكوتموه من توثّب الرعية عليكم، وما يتصل بكم عنه، فتنكسروا إذا بلغهم ذلك بسخطي على عبد العزيز، أخبرني بهذا الكلام الذي ذكرته أنه كان من بعد خروجي من بين يديه، وما كان من الكلام الذي جعلته أول كتابي مما كلموا به أمير المؤمنين قبل توجيهه إلى أبي [1] كامل / الخادم، وكان من أهل السنة، شديد المحبة لي، والميل 41 ب إليّ، وكان له من المأمون محل لطيف جدا، يقوم على رأسه، فلا يخفى عليه شيء مما يجري.
قال عبد العزيز: فلم أزل في منزلي أياما، لا يدخل عليّ أحد، وجُعلت الأرصاد عليّ رجاء أن يقفوا على دخول أحد عليّ، أو كلام لأحد؛ فيجدوا السبيل إلى مكروهي، وحذرتهم حذرا شديدا، فلما كان بعد أيام اتصل بي ذكر أمير المؤمنين لي، إذ أُحضروا وتكلموا بين يديه، فكتبت إليه قصيدة، أستعينه فيها، ودفعتها إلى أبي كامل الخادم، وسألته أن يضعها بين يديه إذا خلا، ورآه طيِّب النفس، فلم يزل أبو كامل يترقب ذلك منه حتى وجده، فوضع الرقعة بين يديه، فأخذها وقرأها، وجعل يردد شيئا فيها لم يقف عليه، وكان عالما بالغريب من الشعر وغيره، فلما لم يقف على ما فيها، ولم يعرفه، قال لأبي كامل: اركب فجيئني بعبد العزيز الساعة، فجاءني أبو كامل، فقال: أجب أمير المؤمنين، وعرّفني الخبر، وما عمله، وما كان من المأمون وحيرته عند قراءة الرقعة،
(1) كتب: أبو