فهرس الكتاب
وطول فكره، فعلمت ما خفي عليه منها، وهذه القصيدة التي كتبت إليه: (من الطويل)
أيا جاعل الدنيا على الدين جنة فداك بها للدين غاو وطامع
هل العذر إلاّ ما اعتذرت بمثله إليك لو انّ العذر أدّاه سامع
إذا لم يكن قولي لديك بمُسمع ولم يُر سمع منك عنه يطالع
فإني ومَن قد ضرَّ ضعفا رعية يرى الله إني فيهمُ لك نافع
غدا تنجلي ساعاتنا لشتاتها ويرد عني جمعها عنك رادع [1]
لمستعتب النعمان من وشلي به شفاك بريء ناصح الحب خاضع
حملت عليّ ذنبه وتركته كذي العُرِّ يكوى غيره وهو راتع [2]
كذاك يداوي الجسم مني مصححا وذاك له جسم به الداء ناقع
فلم يشفه أني تجرّعت دونه أمرَّ دواء طعمه متقاصع
وذو العُرِّ يشفيه مداواة غيره إذا ما اكتوى عنه الصحيح المضارع
قال عبد العزيز: فلما دخلت على المأمون، إذا هو جالس، والقصيدة بين يديه، على فخذه، وهو ينظر فيها، فلما دخلت، قال لي: اجلس، فجلست بين يديه، ثم قال لي: أيشٍ هذا الذي كتبته في قصدتك، مما لا يُعرف في كلام العرب، فقلت: وما هو يا أمير المؤمنين، فإني ما كتبت إلاّ ما تتعارفه العرب، وتتعامل به في لغاتها / وأشعارها، فوضع يده على البيت الذي قلت فيه: 42 أ
حملت عليّ ذنبه وتركته كذي العُرِّ يكوى غيره وهو راتع فقلت: يا أمير المؤمنين! هذا أصح بيت تقوله العرب، وأوضحه معنىً؛ لكثرة مشاهدتها لما ذكرته منه.
فقال المأمون: أيشٍ معنى قولك: كذي العُرِّ يكوى غيره وهو راتع فقلت: يا أمير المؤمنين! عندنا في البادية داء يقع على الجَمَل، يقال له العُرّ، من
(1) كتب: ويرد عني عن جمعها .. ، وبه ينكسر الوزن الشعري.
(2) وهذا البيت للنابغة الذبياني، من قصيدته الاعتذارية المشهورة، والتي مطلعها:
عَفا ذو حُسًا مِن فَرتَنى فَالفَوارِعُ ... فَجَنبا أَريكٍ فَالتِلاعُ الدَوافِعُ
حيث يقول:
تكَلَّفتَني ذَنبَ اِمرِئٍ وَتَرَكتَهُ ... كَذي العُرِّ يُكوى غَيرُهُ وَهوَ راتِعُ
ديوانه / الموسوعة الشعرية.