قال عبد العزيز: فقلت في نفسي: هذا الذي سألت الله تعالى وعاهدته أنْ يبلغنيه؛ لأقومن بحقه، ولأَذُبَّن عن دينه بما يلهمني من توفيقه صابرا محتسبا وإنْ عُرضت على السيف والقتل، حتى إذا بلّغني الله ما أمّلته، وأعطاني ما سألته، وأيّدني بالمعونة، وكفاني المؤنة، وعطّف قلوب عباده عليّ، وصرف عني ما كنت أحاذره من سوء بادرة تكون قبل قيامي بحق الله تعالى أنقض عهده، وأخلف وعده، وأكفر نعمته، فيسخط عليّ، ويخذلني، ويكلني إلى نفسي، والله لا فعلت، ولو تلفت نفسي.
قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين، أطال الله بقاءك، إني لم أتهيب المناظرة، ولم أعجز عنها، وإنما أحببت أن أقدّم في هذا المجلس شيئا من كلامي، ليقفَ من يُحضره أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، و من في مجلسه [1] على معنى كلامي ودقته، فلا يخفى بعض ما يجري بيننا [2] ، فقال المأمون لبشر: ناظر صاحبك على ما يريد.
قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين، أطال الله بقاءك، إنْ رأيتَ أنْ أتكلم بشيء قد شغل قلبي قبل مناظرتي لبشر، فقال لي: تكلّم بما شئت، فقد أذنت لك، فقلت: أسألك بالله يا أمير المؤمنين مَن بلغك أنه كان أجمل البشر من ذرية آدم صلى الله عليه وسلم، قال: فأطرق مليا، ثم رفع رأسه / فقال 5 ب يوسف الصدّيق صلى الله عليه وسلم، فقلت: صدقت يا أمير المؤمنين، فوالله ما أُعطي يوسف الصديق على حسن وجهه بعرتين، ولقد سجن وضُيِّق عليه من أجل حسن وجهه بعد أن وُقِف على براءته بالشاهد الذي أنطقه الله تعالى بتصديقه، وبيان براءته، وبعد إقرار امرأة العزيز أنها هي راودته عن نفسه فاستعصم، فحبس بعد ذلك كله؛ لعلة حسن وجهه، قال الله تعالى: [ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ] [3] فدلّ بهذا أنه سجن بغير ذنب؛ لعلة حُسن وجهه، فطال في السجن حبسه، حتى إذا عبر الرؤيا التي رآها الملك فوقف على علمه ومعرفته، فاشتاق إليه، ورغب في صحبته، فقال الله تعالى:
(1) كتب: ويسمع من في مجلسه، وما أثبتناه من المطبوعة بنحقيق علي بن محمد بن ناصر الفقيهي.
(2) كتب: بعد بعد بيننا، وما أثبتناه من المطبوعة بنحقيق علي بن محمد بن ناصر الفقيهي.
(3) يوسف 35