فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 121

[وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي] [1] فكان هذا القول من الملك عندما وقف عليه من علم يوسف ومعرفته، قبل أن يسمع كلامه، فلما دخل عليه وسمع كلامه، وحُسن عبارته، صيّره على خزائن الأرض، وفوض إليه الأمور كلها، وتبرأ منها، وصار كأنه من تحت يده، فكان هذا الذي فعله يوسف الصديق صلى الله عليه وسلم بكلامه وعلمه، لا بحسنه وجماله، قال الله تعالى: [فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ، قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ] [2] ، ولم يقل إني حسن جميل، قال الله تعالى: [وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ] [3] فوالله يا أمير المؤمنين ما أُبالي أنّ وجهي قبيح مع ما هو فيَّ من حُسن العلم والفهم، فقال لي المأمون: وأيشٍ [4] أردت بهذا القول، وما الذي دعاك إلى ذكر هذا، فقلت: سمعت بعض مَن هنا يقول لأمير المؤمنين: يكفيك من كلام هذا قبح وجهه، فما يضرني قبح وجهي مع ما قد رزقني الله تعالى من فهم كتابه، والعلم بسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قال: فتبسم المأمون حتى وضع يده على فيه ثم قلت: يا أمير المؤمنين، قد رأيتك تنظر إلى هذا النقش، وانفتاح الجص، وتذكره، وسمعت عمرًا يدعو على صانعه، ويعيبه، ولا يعيب الجص، ولا يدعو عليه، فقال المأمون: العيب لا يقع على الشيء المصنوع، وإنما يقع العيب على الصانع، قلت: صدقت يا أمير المؤمنين، ولكن هذا يعيب ربي لما خلقني قبيحا، فازداد تبسمه، حتى ظهر.

قال عبد العزيز: فأقبل عليّ المأمون، وقال: يا عبد العزيز، ناظر صاحبك، فقد طال المجلس بغير مناظرة، فقلت: يا أمير المؤمنين كل متناظرين على غير أصل يكون بينهما يرجعان إليه إذا اختلفا في شيء من الفروع، فهما كالسائر على غير طريق، لا يعرف المحجة فيتبعها، ويسلكها، ولا يعرف الموضع الذي يريد فيقصده، ولا يدري من أين جاء، فيرجع يطلب الطريق / فهو على ضلال أبدا، ولكن نؤصِّل بيننا أصلا، فإذا اختلفنا في شيء من 6 أ الفروع

(1) يوسف 54

(2) يوسف 54 ـ 55

(3) يوسف 56

(4) أيش: اختصار أي شيء، وهذا الاستعمال جار عند العرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت