بالتأويل، ولا بالتفسير، ولا بالحديث، فقال المأمون: فبأي شيء تناظره؟ فقلت: بنص التنزيل، كما قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: [كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي/ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ 6 ب يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ] [1] وقال تعالى: [قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ] [2] وقال تعالى حين ادّعت اليهود تحريم أشياء لم تُحرّم عليهم [قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] [3] ، وقال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى [4] [وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ] [5] وإنما أمر الله تعالى نبيه بالتلاوة، ولم يأمره بالتأويل، وإنما يكون التأويل يا أمير المؤمنين لمن أقرّ بالتنزيل، فأمَّا مَن ألحد في التنزيل فكيف يُناظر بالتأويل، فقال المأمون: أويخالفك بشر في التنزيل؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، أو ليدعنّ قوله ومذهبه، ويوافقني على مذهبي.
قال عبد العزيز: ثم أقبلت على بشر، فقلت: يا بشر، ما حجتك على أنّ القرآن مخلوق، وانظر إلى أحدِّ سهم في كنانتك فارمني به، ولا تحتج إلى معاد لي بغيره، فقل بشر: ماذا تقول، أنّ القرآن شيء أو غير شيء، فإن قلت إنه شيء، فقد أقررت أنه مخلوق، إذ كانت الأشياء كلها مخلوقة بنص التنزيل، وإن قلت ليس بشيء، فقد كفرت؛ لأنك تزعم أنّ حجة الله على خلقه ليست بشيء.
قال عبد العزيز: ما رأيت شيئا أعجب من هذا، أتسألني وتجيب نفسك عني، ولم تسمع كلامي، ولا قولي، فإن كنت سألت لأجيبنك، فاستمع مني، فأنا أحسن أعبر عن نفسي، وأحتج لمذهبي ومقالتي، وإنما إن كنت تريد أن تخطب وتتكلم؛ لتدهشني، وتنسيني حجتي، فلن أزداد بتوفيق الله تعالى إياي إلاّ بصيرة وفهما، وما أحسبك يا بشر إلاّ قد تعلّمت شيئا، أو سمعت قائلا يقول هذه
(1) الرعد 30
(2) الأنعام 151
(3) آل عمران 93
(4) وقال تعالى: زيادة لا حاجة لها.
(5) النمل 92