كالأشياء، وإلاّ فقد بطل ما ادّعاه، وصحّ قولي أنه مخلوق، إذ كنا جميعا أجمعنا واتّفقنا على أنه شيء، وقلت أنا أنه شيء كالأشياء، وداخل في الأشياء، وقال هو ليس كالأشياء، فليأت بنص التنزيل، كما ادعاه، وإلاّ فقد ثبتت الحجة عليه بخلقه، إذ كان الله تعالى أخبرنا بنص التنزيل أنه خلق كل شيء.
قال عبد العزيز: فقال لي المأمون: هذا يلزمك يا عبد العزيز، وجعل محمد بن الجهم وغيره يصيحون: ظهر أمر الله وهم كارهون، جاء الحق وزهق الباطل، وطمعوا في قتلي، وجثا بشر على ركبتيه، وجعل يقول: أقرّ والله يا أمير المؤمنين بخلق القرآن، وأمسكت فلم أتكلم حتى قال لي / 8 أ المأمون: ما لك لا تتكلم يا عبد العزيز، فقلت: يا أمير المؤمنين، أطال الله بقاءك، قد تكلم بشر وطالبني بنص التنزيل على ما قلت، وهو المناظر لي، فضجيج هؤلاء أيش هو، وأنا لم أنقطع، ولم أعجز عن الجواب، وإقامة الحجة بنص التنزيل كما طالبني، ولست أتكلم وفي هذا المجلس أحد يتكلم غير بشر إلاّ أن ينقطع بشرعن الحجة، فينعزل، ويتكلم غيره في مكانه، فصاح المأمون بمحمد بن الجهم وغيره، فأمسك.
قال عبد العزيز: فقال المأمون: تكلم يا عبد العزيز، فليس يعارضك أحد غير بشر، فقلت: يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى: [إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ] [1] فدلّ تعالى بهذه الإخبار كلها، وأشباه لها كثيرة أنّ كلامه ليس كالأشياء، وأنه غير الأشياء، وأنه خارج عن الأشياء، وأنه إنما تكون الأشياء بأمره وقوله، ثم ذكر خلق الأشياء كلها، فلم يدع منها شيئا إلاّ ذكره، وأخرج كلامه وقوله وأمره منها؛ ليدل على أنّ كلامه غير الأشياء، وخارج عن الأشياء المخلوقة، فقال تعالى: [إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ] [2] فجمع في هذه اللفظة الخلق كله، ثم قال: [وَالْأَمْرُ] يعني الأمر الذي كان به هذا الخلق، ففرّق تعالى بين خلقه
(1) النحل 40
(2) الأعراف 54