ادّعى أنّ الأشياء إنما تكون بقوله، ثم جاء بأشياء متباينات متفرقات، فزعم أنّ الله تعالى يخلق بها الأشياء، فأكذب نفسه، ونقض قوله، ورجع عما ادّعاه من حيث لا يدري، وأمير المؤمنين أطال الله بقاءه الشاهد عليه، وهو الحاكم بيننا.
قال عبد العزيز: فأقبل عليّ المأمون فقال: يا عبد العزيز، قد قال بشر كلاما قد قلته، وتحتاج أن تصحح قولك، ولا ينقض بعضه بعضا، وجعل بشر يصيح، ويقول: لو تركناه يتكلم لجاءنا بألف لون مما خلق الله بها الأشياء، فقلت: يا أمير المؤمنين، ذهبت الحجج، وانقطع الكلام، ورضي بشر وأصحابه بالضجيج، والترويج إلى الباطل، وقطع المجلس، وطلب الخلاص، ولا خلاص من الله، قال: فصاح المأمون: يا بشر أقبل على صاحبك، واسمع منه، ودع هذا الضجيج، وكان قد قعد منا مقعد الحاكم من الخصوم.
قال عبد العزيز: ثم أقبل عليّ المأمون، فقال: تكلم يا عبد العزيز، فقلت: يا بشر زعمت أني جئت بأشياء متباينات متفرقات، فزعمت أن الله تعالى خلق بها الأشياء، فما قلت إلاّ ما قال الله تعالى في كتابه، وما جئت بشيء غير كلام الله، ولا قلت، ولا أقول إلاّ أنَّ الله خلق الأشياء بكلامه [1] ، فقال بشر: يا أمير المؤمنين، أليس قد قال إنه خلق الأشياء بقوله وبأمره وبكلامه وبالحق، فقال لي المأمون بلى قد قلت هذا يا عبد العزيز.
قال عبد العزيز، فقلت: يا أمير المؤمنين، قد قلت هذا، وما قلته إلاّ عن صحة، وما خرجت من كتاب الله، ولا قلت إلاّ ما قال الله تعالى، ولا أخبرت إلاّ بما أخبر الله تعالى به ما يوافق بعضه بعضا، ويُصدِّق بعضه بعضا، وكل ما ذكر الله تعالى أنه خلق ويخلق به الأشياء فهو شيء واحد له اسماء، هو كلام الله، وهو قول الله، وهو أمر الله، وهو الحق، والحق هو أمره، وأمره هو قوله، وقوله هو أمره، وأمره هو قوله، وقوله الحق، وهي أسماء / 9 أ شتى لشيء واحد، كما سمّى كلامه نورا وهدى وشفاء ورحمة وقرآنا وفرقانا، فهو مثل ذلك، وذاك مثل هذا، وإنما أجرى الله تعالى هذا على كلامه كما أجراه على نفسه؛ لأنه مَن ذاته، فسمّى نفسه بأسماء كثيرة، وهو واحد أحد، فرد صمد، وإنما يُنكر
(1) كتب: ولا أقول إنَّ الله خلق الأشياء، ولا لايخلقها إلاّ بكلامه، وما أثبتناه من المطبوعة.