فهرس الكتاب
الأشياء المخلوقة، فقد شبه الله تعالى يا أمير المؤمنين بخلقه الذين أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا، وكل من تقدم من قبل علمه فقد دخل عليه الجهل فيما بين وجوده إلى حدوث علمه، وهذه صفة المخلوقين، والله تعالى أعظم وأجل مِن أنْ يوصف بذلك، وينسب إليه، ومَن قال بهذا فقد حلّ دمه، ووجب على أمير المؤمنين قتله، وإنْ قال إنّ علم الله خارج عن جملة الأشياء، وغير داخل فيها، كما أنّ قوله خارج عن الأشياء، وغير داخل فيها فمن ثم ترك قوله، ونقض مذهبه، وثبتت عليه الحجة فيها، فقال المأمون: أحسنت، أحسنت يا عبد العزيز، إنما فرّ بشر أنْ يجيبك في هذه المسألة لهذا، ثم أقبل عليّ المأمون، فقال: يا عبد العزيز، تقول إنّ الله عالم، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، فتقول: إنه سميع بصير، قال: قلت نعم يا أمير المؤمنين، قال: فتقول إنّ له سمعا وبصرا كما قلت له علما، فقلت: لا أطيق هذا كذا يا أمير المؤمنين، فقال: أفرق بين هذين، فأقبل بشر يقول: يا أمير المؤمنين، يا أفقه الناس، ويا أعلم الناس، يقول الله تعالى: [بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ] [1] .
قال عبد العزيز: يا أمير المؤمنين قد قدّمت إليك فيما احتججت به أنّ على الناس كلهم جميعا أنْ يُثبتوا ما أثبت الله، وينفوا ما نفى الله، ويمسكوا عما أمسك الله عنه، فأخبرنا تعالى أنّ له علما، بقوله تعالى [فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ] [2] ، فقلت إنّ له علما، كما قال، وأخبرنا أنه سميع بصير بقوله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ] [3] ، فقلت إنه سميع بصير، كما قال، ولم يخبر أنّ له سمعا وبصرا، فقلت كما قال، وأمسكت عند إمساكه، فأقبل عليهم المأمون، فقال: ما هو مشبه فلا تكذبوا عليه، فقال بشر: قد زعمت أنّ لله علما فأيشٍ هو علم الله، وما معنى علم الله، فقلت له: هذا مما تفرّد الله تعالى بعلمه ومعرفته، وحجب عن الخلق جميعا علمه، فلم يخبر به مَلَكا مقرّبا، ولا نبيا مرسلا، ولا علِمَه أحدٌ قبلي، ولا يعلمه أحدُ بعدي؛ لأن علم الله تعالى أكبر وأوسع وأعظم مِن
(1) الأنبياء 18
(2) هود 14
(3) غافر 20