فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 121

عليه وسلم لا يعلمها، ولا يعلم إلاّ ما علمه، أيجوز لأمته أن يتكلفوا علمه، أو يدعوا معرفته، فقال بشر:

لا بدّ أن تقول أيشٍ هو علم الله، أو يقرّ [1] أمير المؤمنين أطال الله بقاءه أنك حِدت عن الجواب، وأكون أنا وأنت في الحيدة سواء، فقلت: إنك تأمرني بما نهاني الله تعالى عنه، وحرّم عليّ القول به، وتأمرني بما أمرني به الشيطان، ولست أعصي الله، وأرتكب نهيه ومحارمه، وأطيع الشيطان، وأطيع أمره وأمرك، إذ كنتما قد أمرتماني بمعصية الله تعالى، وارتكاب نهيه.

قال عبد العزيز: فاشتد تبسم المأمون من كلامي، ثم قال لي: يا عبد العزيز، أمرك بشر بما نهى الله تعالى عنه، وحرّم عليك القول به، وأمرك الشيطان؟ فقلت له: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ومن أين لك ذلك، قلت: من كتاب الله تعالى، وكلامه بنص التنزيل، قال: فهاته، قلت: قال الله تعالى: [قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ] [2] ، فحرم الله تعالى / بهذا الخبر على الخلق جميعا أنْ يقولوا على الله مالا 12 ب يعلمون، وأمرهم الشيطان بضد ذلك، فقال تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ] [3] فهذا تحريم الله ونهية لنا أنْ نقول على الله ما لا نعلم، وبهذا أمر الشيطان لنا أنْ نقول عليه ما لا نعلم، وقد اتبع بشر يا أمير المؤمنين سبيل الشيطان، ووافقه على قوله، وأمرني بما أمر به الشيطان من ارتكاب نهي الله تعالى وتحريمه حين قال لا بدّ أنْ تقول أيشٍ علم الله، وقد أعلمته أني لا أعلمه، ولا يعلمه أحد قبلي، ولا يعلمه أحد بعدي.

قال عبد العزيز: فكثر تبسم المأمون حتى غطّى فمه بيده، وأطرق ينكث بيده على السرير.

(1) كتب: يقف.

(2) الأعراف 33

(3) البقرة 168، 169

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت