فهرس الكتاب
فقد استوينا في الحيدة عن الجواب، ونخرج من هذه المسألة إلى غيرها، وندعها على غير حجة ثبتت لأحد على صاحبه فيها.
قال عبد العزيز: فقلت يا أمير المؤمنين، أطال الله بقاءك، إن بشرا قد أفحم، وانقطع عن الجواب، ودحضت حجته، وبقي بلا حجة يقيمها لهذا المذهب الذي كان يدعو الناس إليه، فلجأ أنْ يسألني عن مسألة محال، يتحرى بها مني؛ ليقول سألني عبد العزيز عن مسألة فلم أجبه، وسألته عن مسألة فلم يجبني عنها، وقد قال ذلك، وأنا وبشر يا أمير المؤمنين على غير السواء في مسألتنا؛ لأني سألته عما أخبر الله تعالى به، وشهد به لنفسه، وشهدتْ له به الملائكة بقوله تعالى: [لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ / يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا] [1] ، فأخبرنا الله تعالى عن علمه، وشهد 13 ب ... به لنفسه , وشهدتْ له به الملائكة، وتعبَّد الله به نبيه صلى الله عليه وسلم، وسائر الخلق بالإيمان به، بقوله تعالى: [وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ] [2] فوجب على نبيه صلى الله عليه وسلم، وعلى الخلق جميعا الإيمان بما أنزل الله من كتاب، فبشر يا أمير المؤمنين يأبى أن يُؤمن بذلك، أو يقرّ به، أو يصدق به، وسألني بشر عن مسألة ستر الله تعالى علمها عن ملائكته ورسله، وأهل ولايته جميعا، وعنّي وعن بشر، وعن سائر الخلق جميعا ممن مضى، وممن هو آت إلى يوم القيامة، فلم يعلمها أحدٌ قبلنا، ولا يعلمها أحدٌ بعدنا، فلم يكن لي أنْ أجيبه عن مسألته، وإنما يدخل النقص عليّ يا أمير المؤمنين لو كان بشر يعلم ما سألني عنه، أو غيره من العلماء، وكنت أنا لا أعلمه، فأمَّا إذا اجتمعنا جميعا أنا وبشر، وسائر الخلق في جهل مسألتة، وقلّة العلم بها، فليس الضرر داخل عليّ دونه، وهذه مسألة لا يحلّ لأحد يسأل عنها، ولا يحلّ لأحد أن يجيب فيها؛ لأن الله تعالى حرّم ذلك عليه، فقال عبد العزيز: فقال لي المأمون: أنتما في مسألتكما على غير السواء، وقد صحّ قولكما في هذه المسألة يا عبد العزيز، وبان ووضح وظهرت حجتك على بشر فيها.
(1) النساء 166
(2) الشورى 15