فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 121

قال عبد العزيز: ورأيت بشرا قد حاد وانقطع، وصحّ ما في يدي، وبان الحق، ووضح لأمير المؤمنين، ولسائر مَن بحضرته، فقلت: يا أمير المؤمنين، أطال الله بقاءك، ارجع إلى أول المسألة، وأدع ذكر العلم، واكسر قول بشر، وافضح مذهبه، وأبطل قوله واحتجاجه، فقال لي المأمون: قد أصبت يا عبد العزيز بتركك الكلام فيما قد قطع به المجلس من غير أن يرجع إليك عن مسألتك فيه جواب، وقد وقفنا من قولك على ما يلزم بشرا في المسألة لو أجابك عن مسألتك، فهات ما عندك من غير هذا، فقلت يا أمير المؤمنين، أطال الله بقاءك على كل مَن اكتال بمكيال أن يوفي به، قال: ذاك يلزمه، قلت يا بشر أليس تزعم أنّ قوله تعالى [خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ] لفظة لا يخرج عنها شيء؛ لأن [كُلِّ] كلمة تجمع الأشياء، فلا تدع شيئا يخرج عنها، وكل شيء داخل فيها، قال بشر: هكذا قلت، وهكذا أقول، وهكذا هو عند الخلق، ولست أرجع عنه بكثرة خُطَبك وهذيانك، فقلت له: أمير المؤمنين شاهد عليك بهذا، ثم قلت له: يا بشر قال الله تعالى: [وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي] [1] ، وقال تعالى: [وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ] [2] ، وقال تعالى: [كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ] [3] ، وقال الله تعالى: [كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ] [4] / وقال له عيسى عليه السلام: [تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ 14 أ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ] [5] بهذا خبَّرالله في مواطن كثيرة أنّ له نفسا، أفَتُقر يا بشر أنّ له تعالى نفسا كما أخبر عنها بهذه الأخبار كلها، قال: نعم، فقلت: قال الله تعالى: [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ] [6] ، أفتقول إنّ نفس رب العالمين داخلة في هذه النفوس التي [7] تذوق الموت، قال: فصاح المأمون بأعلى صوته، وكان جهير [8] الصوت: معاذ الله، معاذ الله.

(1) طه 41

(2) آل عمران 28، 30

(3) الأنعام 12، وقد كتب خطأ: كتب ربكم ...

(4) الأنعام 54

(5) المائدة 116

(6) آل عمران 185، الأنبياء 35، العنكبوت 57

(7) كتب: الذي.

(8) كتب: جوهري، وما أثبتناه من المطبوعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت