فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 121

قال عبد العزيز: فقلت أنا، ورفعت صوتي: معاذ الله، معاذ الله، أن يكون كلام الله تعالى داخلا في الأشياء المخلوقة، كما أنّ نفسه ليست بداخلة في الأنفس الميتة، وكلامه خارج عن الأشياء المخلوقة، كما أنّ نفسه خارجة عن الأنفس الميتة، قال بشر: يا أمير المؤمنين، قد سألني فليسمع كلامي، وليدع الصياح والضجيج، فقلت له: تكلم بما شئت، فقال: إنْ كانت نفس [الله] ضميرا وتوهما [فهي] جارحة، فليست بداخلة في هذه النفوس، فقلت له: كم ألقي إليك أني أقول بالخبر، وأمسك عن علم ما سُتر عنّي، وإنما قلت: إنّ لله نفسا كما أخبرنا، وقد أقررت بذلك، فلتكن عندك على أي معنى شئت، وقل هي داخلة في هذه النفوس أو لا، ودع عنك كلام الحضرات والوساوس، فقال لي بشر: أنت رجل متعنّت، تُجاب عن مسألتك، فتطلب غيرها، وليس عندي جواب غير هذا، وانقطع، فقلت: يا أمير المؤمنين، قد كسرت قوله في هذه المسألة بالقول الأول، والقول الثاني في باب العلم، وكسرت قوله بقوله، ودحضت حجته بحجته، وبطل ما كان يدعو إليه من بدعته وضلالته، وبان لأمير المؤمنين قبح مذهبه، وفحش قوله، ثم أقبل عليّ المأمون، فقال: يا عبد العزيز، قد وضحت حجتك، وبان قولك، وانكسر قول بشر، ونحتاج أن تشرح هذه الأخبار التي [1] في القرآن، ومعانيها، وما أراد الله تعالى بها؛ ليسمع مَن بحضرتنا، فقد جرت اليوم أشياء كثيرة يحتاج مَن سمعها إلى معرفتها وفهمها، فقلت: يا أمير المؤمنين إنّ الله تعالى شرّف العرب وفضلهم بأنْ أنزل القرآن على لسانهم، وجعله مكتتبا على تبيانهم، فقال تعالى: [إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا] [2] ، وقال تعالى: [إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا] [3] ، وقال تعالى: [نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ] [4] ، وقال تعالى: [فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ] [5] ، فخصّ الله تعالى العرب بفهمه ومعرفته، وفضلهم على غيرهم، فعلموا أخباره، ومعاني ألفاظه، وخصوصه وعمومه، ومحكمه ومبهمه، وخاطبهم بما عقلوه

(1) كتب: الذي

(2) يوسف 2

(3) الزخرف 3

(4) الشعراء 193 ـ 195

(5) الدخان 58

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت