فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 121

معنى الخصوص، فهو قوله تعالى: [وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ] [1] ، فكان مخرج الخبر مخرج العموم، ومعناه معنى الخصوص، فعقل المؤمنون عن الله تعالى عند نزول هذا الخبر أنه لم يعيّن إبليس فيمن تسعه الرحمة لما قدَّم فيه من الخبر الخاص قبل ذلك، وهو قوله تعالى: [لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ] [2] فكان إبليس ومَن تبعه خارجين بهذا الخبر الخاص من رحمته التي وسعت كل شيء، فصار معنى ذلك الخبر العام خاصا؛ لخروج إبليس ومَن تبعه من رحمة الله التي وسعت كل شيء، فلما أنزل الله تبارك وتعالى القرآن على هذه / الأربعة الأخبار، خصّ العرب بفهمها، ومعرفة 15 أ معانيها وألفاظها، وبخصوصها وعمومها، والخطاب بها، ثم لم يدعها اشتباها على خلقه؛ ليجد الملحدون السبيل إلى الإلحاد في صفاته، والطعن على أخباره، والتشبيه على خلقه من غير العرب الذين [3] عقلوا عنه ما أراد بخطابه، حتى جعل فيها بيانا ظاهرا، وعلما واضحا، لا يخفى على مَن سمعه وتدبره وتفهمه من غير العرب ممن لا يعرف الخاص والعام، والمحكم والمبهم، تفضلا منه وتكرمًا، وإحسانا إلى خلقه، وإثباتا منه للحجة على مَن ألحد في كتابه وصفاته، وما هو من ذاته، فإذا أنزل الله تعالى خبرا مخرج لفظه خاص، ومعناه عام، أو خبرا مخرج لفظه عام، ومعناه خاص، لم يدعه إشكالا على خلقه حتى يجعل أحد بيانين: إمَّا أن يستثني من الجملة شيئا، فيكون بيانا للناس جميعا، أو يقدِّم قبله خبرا خاصا، فإذا أنزل بعده خبرا عاما لم يتوهم أحد ن العلماء أنه عنى ما خصّه في الخبر الذي قدّمه قبل نزول العلم في العام إذا كان قد خصّه ونصّه قبل ذلك، وأمَّا الخبر الذي أنزله على لفظ العموم ثم يستثني من الجملة ما لم يعنه في العموم، فهو قوله تعالى في قصة نوح عليه السلام: [فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا] [4] فعقل المؤمنون عن الله تعالى حين استثنى الخمسين من الألف أنّ الألف سنة لم يستكملها نوح عليه السلام في قومه أيام الطوفان، فكان ابتداء اللفظ عاما

(1) الأعراف 156

(2) سورة ص 85

(3) كتب: الذي

(4) العنكبوت 14

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت