فهرس الكتاب
نفسه مع هذه النفوس الميتة، لما تقدم إليهم من الخبر الخاص في نفسه أنه حيٌّ لا يموت، وكذلك حين قدّم إلينا في كتابه خبرا خاصا فقال: [إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ] [1] فدل على قوله باسم معرفة، وعلى الشيء باسم نكرة، فكانا شيئين مفترقين عند العرب وأهل اللغة، فقال: [إِذَا أَرَدْنَاهُ] ولم يقل إذا أردناهما، وقال: [أَنْ نَقُولَ لَهُ] ولم يقل: أنْ نقول لهما، ففرق تعالى بين القول وبين الشيء المخلوق، الذي يكون بالقول مخلوقا، ثم قال تعالى: [خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ] [2] ، فعقل المؤمنون عن الله تعالى عند نزول هذا الخبر العام أنه لم يعنِ كلامه، وقوله في الأشياء المخلوقة بما قدّم في ذلك من الخبر الخاص أنّ الأشياء المخلوقة إنما تكون بقول الله تعالى، وإنما غلط بشر ومَن قال بقوله يا أمير المؤمنين، وهلكوا وتاهوا وضلوا بجهلهم الخاص والعام في القرآن، وإنما شرّف الله تعالى العرب وفضّلها لمعرفتها بخاص القرآن وعامه، ومحكمه ومبهمه، فقال المأمون: أحسنت، أحسنت يا عبد العزيز، فقلت: يا أمير المؤمنين إن بشرا خالف كتاب الله تعالى، وخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالف إجماع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فقال لي المأمون: خالف بشر كتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجماع أصحاب محمد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، وأُوقفك عليه الساعة، قال: قل، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ اليهود ادّعت تحريم أشياء لم تُحرَّم عليهم في التوراة، وزعموا أنها في التوراة محرمة، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: [قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] [3] فإذا أتوا بالتوراة، فتليت عليهم، فلم يجدوا ما ادّعوه، صحّ ما فيها عليهم، كان إمساك التوراة عن ذلك مُكذبا لقولهم، ومبطلا لدعواهم، ولذلك أقول لبشر: اتل قرآنا بما قلت، وإلاّ فإمساك القرآن عمّا تدعيه مكذب لدعواك، ومبطل له، وكذلك ننظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنْ كان معه سنّة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وإلاّ كان إمساك السنة مكذب لقوله، ومبطل لدعواه، وهما الأصل الذي أصّلناه بيننا، وأشهدنا /
(1) النحل 40
(2) الأنعام 102، الرعد 16، الزمر 62، غافر 62
(3) آل عمران 93