فهرس الكتاب
قال عبد العزيز: فأقبلت على المأمون، فقلت: يا أمير المؤمنين، أطال الله بقاءك، إنّ القرآن نزل بلسانك، ولسان قومك، وأنت أفهم أهل الأرض بلغة العرب، ومعاني كلامها، وبشر رجل من أبناء الأعاجم، يتأول كتاب الله على غير ما عناه الله، ويُحرِّفه عن مواضعه، ويبدل معانيه، ويقول ما تنكره العرب، ولا تتعارفه في كلامها ولغاتها، وأنت أعلم خلق الله بلغة قومك، فإنما يكفِّر بشر الناس، ويبيح دماءهم بتأويل القرآن، فجعل بشر يقول: جاء الحق، وزهق الباطل، تروح يا عبد العزيز إلى الكلام والخطب والاستعانة بأمير المؤمنين، أطال الله بقاءه؛ لينقطع المجلس، قال الله تعالى: [فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ / فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ] [1] ، ثم ضرب بشر على فخذي 16 ب وقال: أقبل عليّ فقد أتيت بما لا تقدر على دفعه، ولا على التشبيه فيه؛ ليقطع المجلس بثبات الحجة عليك، وايجاب العقوبة عليك، وليكن عندك شيء تتكلم به، وإلاّ فقد قطع الله مقالك، ودحض حجتك، وجعل يصيح: فرّحناك في أوّل المجلس، وأطمعناك حتى انبسطت في الكلام، وتوهمت أنك قد قدرت على ما أردت، فأين كلامك، وأين احتجاجك، انقطع ذلك، وجاء ما يخرس اللسان، ويذهب بالعقل، ويُحِلُّ الدم، قال لمأمون: ما لك يا عبد العزيز قد أمسكت، أجبه إن كان عندك جواب لمسألته، فقلت: ليس يدعني يا أمير المؤمنين أكلمه من ضجيجه وصياحه، فإن أمسك تكلمت، وأجبته، وكسرت قوله بإذن الله، وإنْ أراد أن يهذي، ويروج إلى قطع المجلس لم أتكلم، وكان أمير المؤمنين أطال الله بقاءه أعلى عينا بما يراه، فصاح به المأمون: أمسك واستمع الجواب عما سألت.
قال عبد العزيز: فأمسك، فقال لي المأمون: تكلم بما تريد، فقلت: يا أمير المؤمنين، أطال الله بقاءك، ما يخفى عليك حرف واحد مما جرى اليوم في مجلسك، ولنعم الحاكم أنت، جزاك الله عن رعيتك أفضل الجزاء، وبشر يقول الشيء على ما يخطر بباله بغير علم ولا حقيقة لقوله، فإن رأى أمير المؤمنين أن يحفظ علينا ألفاظنا، وما يجري بيننا في هذه الآية، ويشهد علينا بما نقول
(1) البقرة 89