فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 121

[رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ] [1] فأخبر أنهما دعوا ربهما، وهما مخلوقان، وزعم بشر أنهما دعوا ربهما أنْ يخلقهما مسلمَيْن، بعد أن قال تعالى مخبرا عن دعاء إبراهيم وقوله: [رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا] [2] ، وقد كانت مكة مخلوقة قبل آدم، وقبل إبراهيم، فكيف يدعو إبراهيم بخلقها، وهذا مما لا يعقله الناس، وقال تعالى: [مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ] [3] ، فأخبر الله تعالى أنه ما جعل ذلك كذلك، وزعم بشر أنّ الله ما خلق البحيرة، ولا السائبة، ولا الوصيلة، ولا الحام، وإنما خلقها الكفار من دون الله، ومَن قال بهذا فقد كفر بالله تعالى.

قال عبد العزيز: فأقبل عليّ المأمون فقال: حسبك يا عبد العزيز، فقد ثبتت حجتك في هذه المسألة كبيانها في المسألة الأولى، وانكسر قول بشر فيها، وبطل دعواه، فارجع إلى بيان ما قد انتزعت به، وشرحه ومعانيه، وما أراد الله تعالى به، وما هو من الجعل مخلوق، وما هو غير مخلوق، وبيان الإعلام والشواهد على ما هو مخلوق، وغير مخلوق، وما تتعامل به العرب في لغاتها، وما يفرّق به بين الجَعْلَيْن في كلامهم؛ ليسمع مَن في المجلس ذلك، فيقفوا على مذهب العرب في ذلك، ومعنى ما أراد الله تعالى بقوله ذلك، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ جعل في كتاب الله يحتمل عند العرب معنيين، معنى خلق، ومعنى صيّر [4] ، غير خلق، فلما كان خلق حرفا مُحكما لا يحتمل معنى غير الخلق، ولم يكن من صناعة العباد، لم يتعبد الله تعالى العباد به، فيقول لهم: ولا تخلقوا، إذ كان الخلق ليس من صناعة المخلوقين، وكان من فعل الخالق، ولمَّا كان جعل على معنى صيّر، لا على معنى الخلق، خاطب الله عز وجلّ به العباد بالأمر والنهي، فقال: اجعلوا، ولا تجعلوا، ولما كان جعل كلمة تحتمل معنيين، معنى خلق، ومعنى صيّر، غير خلق، لم يدع تعالى ذلك اشتباها على خلقه،

(1) البقرة 128

(2) إبراهيم 35

(3) المائدة 103

(4) ذكر يحيى بن سلام في كتابه التصاريف (تفسير القرآن مما اشتبهت أسماؤه وتصرفت معانيه) ص 220 أن جعل تأتي على وجهين، الأول الجعل: الوصف، وذلك مثل قوله تعالى: [وجعلوا لله شركاء الجن] ، وقوله: [وجعلوا له من عباده جزءا] وقوله: [ويجعلون لله البنات] وقوله: [وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن] . والثاني: جعل: فعل، كقوله تعالى: [وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا] ، وكقوله [فجعلتم منه حراما وحلالا] . ومثل هذا بنصه وفصه ما جاء في كتاب الوجوه والنظائر في القرآن الكريم لهارون بن موسى القارئ، ص 184.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت