فهرس الكتاب
ولبسًا على عباده؛ فيلحد الملحدون في ذلك، ويشبهون على خلقه، كما فعل بشر وأصحابه، حتى جعل على كل كلمة علمًا ودليلا فرّق به بين الجعل الذي يكون على معنى التغيير، الذي هو على معنى الخلق، فإنّ الله تعالى جعله من القول المُفصَّل، وأنزل القرآن / به مفصّلا، وهو بيان لقوم يفقهون، 20 أ والقول المفصل يستغني به السامع إذا أخبر أنه يوصل بغيرها من الكلام، إذا كانت قائمة بذاتها، تدل على معانيها، فمن ذلك قوله: [الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ] [1] ، فسواء عند العرب قال وجعل، أو قال وخلق، لأن العرب قد علمت أنه أراد الجعل الخلق؛ لأنه أنزله من القول المفصل، وقال تعالى: [وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً] [2] ، فعقلت العرب عنه أنّ معنى هذا وخلق لكم، إذ كان هذا قولا مفصلا، وقال تعالى: [وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ] [3] ، فعقلت العرب عنه أنه عنى بهذا الجعل الخلق، إذ كان القول المفصل، وسواء عندها قال: خلق، أو جعل، لأنها قد علمت ما أراد وما عنى، ومثل هذا في القرآن كثير جدا يا أمير المؤمنين، فهذا وما كان على مثاله من القول المفصل، الذي يستغني به المخاطب والسامع بكل كلمة عما بعدها.
وأمَّا الجعل الذي هو معنى التصيير، الذي هو غير الخلق، فإنّ الله تعالى أنزله في القول الموصل، الذي لا يدري المخاطَب ما أراد المخاطِب حتى يصل الكلمة بكلمة بعدها، فيعلم ما أراد بها، وأنْ تركها مفصلة، لم يصلها بغيرها من الكلام، لم يعقل السامع لها ما أراد بها، ولم يفهمها، ولم يقف على ما عنى بها، حتى يصلها بغيرها، فمن ذلك قوله تعالى: [يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ] [4] ، فلو قال: [إِنَّا جَعَلْنَاكَ] ولم يصلها بما بعدها، لم يعقل داود عليه السلام، ولا أحد ممن سمع هذا الخطاب ما أراد الله تعالى به، ولا ما عنى بقوله؛ لأنه خاطبه بهذا، وهو مخلوق، فلما وصله بخليفة في الأرض، عقل داود عليه السلام، وكل مَن سمع هذا الخطاب ما أراد الله تعالى بقوله، وما عنى به،
(1) الأنعام 1
(2) النحل 72
(3) النحل 78، السجدة 9، الملك 23
(4) ص 26